ذات صلة

أحدث المقالات

نتنياهو يخسر معركة البقاء.. آيزنكوت يتقدم لتشكيل الحكومة الإسرائيلية

القاهرة - دخلت إسرائيل واحدة من أكثر مراحلها السياسية...

نتنياهو يخسر معركة البقاء.. آيزنكوت يتقدم لتشكيل الحكومة الإسرائيلية

القاهرة – دخلت إسرائيل واحدة من أكثر مراحلها السياسية اضطراباً، بعدما تلقى بنيامين نتنياهو ضربة انتخابية قد تضع نهاية لهيمنته الطويلة على رئاسة الحكومة، وتفتح الباب أمام إعادة تشكيل الخريطة السياسية الإسرائيلية. ففي تطور لافت، أعلن الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ اختيار زعيم المعارضة غادي آيزنكوت لتولي مهمة تشكيل الحكومة الجديدة، متجاوزاً رئيس الوزراء الحالي الذي لم يتمكن من تأمين الأغلبية البرلمانية اللازمة للاحتفاظ بمنصبه.

وذكرت وكالة رويترز في تقريرها المنشور في 7 نوفمبر الجاري أن قرار هرتسوغ جاء بعد حصول آيزنكوت على تأييد 67 عضواً في الكنيست، مقابل 46 عضواً أيدوا نتنياهو، بينما اختار حزب يضم سبعة نواب عدم التوصية بأي مرشح. ويعكس هذا الفارق تراجع قدرة نتنياهو على المناورة داخل البرلمان، رغم احتفاظ حزب الليكود بصدارة الأحزاب الفردية بحصوله على 27 مقعداً.

وبحسب موقع العربية، فإن خسارة نتنياهو لا تتعلق فقط بتعثر تشكيل الحكومة، وإنما تمتد إلى مستقبل قيادته لحزب الليكود وإمكانية مواجهته تداعيات قضائية وسياسية متزايدة في حال مغادرته رئاسة الحكومة. فالرجل الذي اعتاد إدارة الأزمات السياسية والعودة إلى السلطة بعد جولات انتخابية متكررة يجد نفسه الآن أمام اختبار مختلف، يتمثل في احتمال فقدان أدوات النفوذ التي ساعدته على البقاء في قلب المشهد السياسي الإسرائيلي لسنوات طويلة.

لماذا خسر نتنياهو الأغلبية؟.. انقسام المعسكر اليميني يفتح الطريق أمام المعارضة

تكمن المفارقة الأساسية في نتائج الانتخابات الإسرائيلية التي جرت في 27 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي في أن نتنياهو لم يخسر صدارة المشهد الحزبي، لكنه خسر القدرة على تحويل هذه الصدارة إلى أغلبية حاكمة.

فوفقاً للنتائج التي أوردتها شبكة الجزيرة الإنجليزية، حصل معسكر نتنياهو اليميني والديني على 53 مقعداً من أصل 120، مقابل 48 مقعداً للائتلاف المعارض الذي يقوده آيزنكوت، فيما حققت الأحزاب العربية فوزاً لافتاً بحصولها على 19 مقعداً، وهو رقم غير مسبوق في المشهد البرلماني الإسرائيلي.

وتشير هذه الأرقام إلى تحول مهم في موازين القوى؛ إذ باتت الأحزاب العربية تمتلك ثقلاً برلمانياً يصعب تجاهله، بعدما أصبحت أصواتها عاملاً مؤثراً في تحديد هوية رئيس الوزراء المقبل. لكن هذا النفوذ يحمل في الوقت نفسه تعقيدات سياسية، نظراً إلى رفض أطراف داخل المعسكر المعارض تشكيل حكومة تعتمد بصورة مباشرة على الأحزاب العربية.

وأشارت صحيفة يديعوت أحرونوت العبرية إلى أن المأزق السياسي لا يقتصر على الحسابات العددية، بل يرتبط أيضاً بالتعهدات الانتخابية والفيتوهات المتبادلة بين الأحزاب، وهو ما يجعل تشكيل حكومة مستقرة مهمة شديدة الصعوبة، حتى بالنسبة إلى المعسكر الذي تمكن من إضعاف نتنياهو انتخابياً.

ومن أبرز الضربات التي تعرض لها نتنياهو موقف حزب يهدوت هتوراه، الذي كان أحد حلفائه التقليديين، بعدما امتنع عن التوصية بأي مرشح لرئاسة الحكومة. وذكرت رويترز أن هذا الموقف، إلى جانب تأييد الأحزاب العربية لآيزنكوت، ساهم في ترجيح كفة المنافس على حساب رئيس الوزراء الحالي.

غادي آيزنكوت.. الجنرال الذي يهدد عرش نتنياهو

يمثل صعود غادي آيزنكوت إلى واجهة المنافسة على رئاسة الحكومة أحد أبرز التحولات في السياسة الإسرائيلية. فالرجل، البالغ من العمر 66 عاماً، ليس سياسياً تقليدياً، بل قائد عسكري سابق تولى رئاسة أركان الجيش الإسرائيلي بين عامي 2015 و2019، قبل دخوله الحياة السياسية عام 2022.

وترى صحيفة لوموند الفرنسية في تقرير نشرته اليوم (8 نونبر/ نوفمبر/ تشرين الثاني) أن آيزنكوت يمتلك رصيداً عسكرياً يمنحه شرعية داخل قطاعات من المجتمع الإسرائيلي، لكنه يواجه مهمة سياسية شديدة التعقيد تتمثل في تحويل التأييد البرلماني الذي حصل عليه إلى ائتلاف حكومي قادر على الصمود.

وتلفت الصحيفة إلى أن التباين بين الرجلين لا يعني بالضرورة اختلافاً جذرياً في الرؤية الأمنية والعسكرية؛ فآيزنكوت نفسه ارتبط خلال مسيرته العسكرية بعقيدة الضاحية التي تقوم على استخدام القوة العسكرية المفرطة ضد المناطق التي تنطلق منها هجمات على إسرائيل. كما أنه كان عضواً مراقباً في مجلس الحرب الإسرائيلي خلال الأشهر الأولى من الحرب على غزة، قبل استقالته في يونيو (حزيران) 2024.

وهنا تظهر نقطة جوهرية في قراءة المشهد: إبعاد نتنياهو لا يعني بالضرورة حدوث تحول جذري في السياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين أو المنطقة، بل قد يعكس بالأساس رغبة قطاعات من النخبة السياسية والعسكرية الإسرائيلية في تغيير القيادة وطريقة إدارة الملفات الأمنية والسياسية.

معركة تشكيل الحكومة.. هل يستطيع آيزنكوت إقصاء نتنياهو فعلياً؟

على الرغم من حصول آيزنكوت على تكليف تشكيل الحكومة، فإن الطريق إلى رئاسة الوزراء لا يزال محفوفاً بالعقبات. إذ يتعين عليه تأمين ثقة 61 نائباً على الأقل في الكنيست، بينما لا يمتلك ائتلافه المعارض سوى 48 مقعداً، حتى مع احتساب الدعم السياسي الذي حصل عليه من الأحزاب العربية بصورة منفصلة.

ووفقاً لما أوردته وكالة رويترز، يمتلك آيزنكوت 28 يوماً لتشكيل الحكومة، مع إمكانية الحصول على تمديد إضافي يصل إلى 14 يوماً. وتتمثل خياراته في التوصل إلى تفاهمات مع الأحزاب الحريدية، أو تشكيل حكومة أقلية بدعم خارجي من الأحزاب العربية، أو البحث عن صيغة ائتلاف أوسع، رغم تعهداته السابقة برفض المشاركة في حكومة تضم نتنياهو.

وفي تقريرها المنشور اليوم، أوضحت صحيفة لوموند أن التحدي الحقيقي أمام آيزنكوت يبدأ بعد حصوله على التكليف، إذ يتعين عليه تجاوز الخلافات بين شركائه بشأن توزيع المناصب الوزارية، وتحديد شكل الحكومة المقبلة، وضمان عدم تفكك التحالف قبل حصوله على ثقة البرلمان.

أما إذا فشل في تشكيل الحكومة، فقد تنتقل المهمة إلى مرشح آخر وفق الإجراءات الدستورية، وصولاً إلى احتمال حل الكنيست والدعوة إلى انتخابات جديدة. وخلال هذه المرحلة، سيظل نتنياهو رئيساً لحكومة تصريف الأعمال، بما يعني أن خسارته معركة التكليف لا تساوي خروجه الفوري من السلطة.

محاكمة الفساد ومستقبل الليكود.. هل تنتهي حقبة نتنياهو السياسية؟

لا تتوقف المخاطر التي تحاصر نتنياهو عند حدود البرلمان، إذ تتزامن أزمته السياسية مع استمرار محاكمته في قضايا فساد، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات بشأن مستقبل الرجل في حال فقدانه منصبه ونفوذه الحكومي.

وأشار موقع العربية إلى أن احتمال مغادرته رئاسة الحكومة يعيد إلى الواجهة تداعيات هذه القضايا، فضلاً عن مستقبل قيادته لحزب الليكود، الذي قد يجد نفسه أمام معركة خلافة داخلية إذا أصبح استمرار نتنياهو على رأسه موضع تساؤل.

لكن لا ينبغي افتراض أن الخروج من رئاسة الحكومة سيؤدي تلقائياً إلى إدانته أو سجنه؛ فالمسار القضائي مستقل، وستظل نتائجه مرتبطة بإجراءات المحاكمة والأحكام القانونية.

وفي المقابل، قد يحاول نتنياهو استخدام موقعه داخل الليكود ومعسكر اليمين لإعادة ترتيب أوراقه السياسية، سواء عبر عرقلة الحكومة الجديدة من داخل المعارضة أو الدفع باتجاه انتخابات مبكرة إذا تعثر آيزنكوت في تشكيل ائتلاف مستقر.

هل يتغير وجه إسرائيل بعد نتنياهو؟

يمثل احتمال رحيل نتنياهو اختباراً يتجاوز شخص رئيس الوزراء، ليصل إلى طبيعة النظام السياسي الإسرائيلي واتجاهاته خلال المرحلة المقبلة. فالحكومة الجديدة، إذا نجح آيزنكوت في تشكيلها، ستكون مطالبة بالتعامل مع ملفات شديدة التعقيد، أبرزها تداعيات حرب غزة، والعلاقة مع الولايات المتحدة، والتوتر مع إيران، والملف اللبناني والسوري، إلى جانب الانقسامات الداخلية بشأن التجنيد الإجباري لليهود الحريديم ومستقبل التعديلات القضائية.

وفي هذا السياق، يشير تقرير خدمة أبحاث الكونغرس الأمريكي (CRS) المنشور في 30 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي إلى أن تغيير تركيبة الحكومة الإسرائيلية قد ينعكس على علاقات إسرائيل الدولية ومكانتها الخارجية، لكنه لا يعني بالضرورة حدوث تحول استراتيجي كامل في سياستها الأمنية أو تعاملها مع التهديدات الإقليمية.

كما يلفت التقرير إلى أن آيزنكوت لم يطرح تصوراً بديلاً جذرياً عن السياسات الأمنية الإسرائيلية التي أعقبت هجمات 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، فضلاً عن تعهده خلال حملته الانتخابية بعدم إقامة دولة فلسطينية في ظل حكومته المحتملة.

وبالتالي، فإن الرهان على سقوط نتنياهو باعتباره بداية تحول جذري في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي قد يكون مبالغاً فيه؛ فالتغيير المحتمل قد يطال أسلوب إدارة الصراع وبعض أدواته، دون أن يضمن تغييراً جوهرياً في المواقف الإسرائيلية من الدولة الفلسطينية أو السيطرة الأمنية على الأراضي الفلسطينية.

نتنياهو يخسر السلطة سياسياً قبل أن يغادرها رسمياً

تبدو إسرائيل اليوم أمام لحظة سياسية فارقة؛ فنتنياهو، الذي نجح مراراً في تجاوز الأزمات الانتخابية والاحتفاظ بموقعه، يواجه للمرة الأولى منذ عودته إلى رئاسة الحكومة عام 2022 منافساً يمتلك فرصة جدية لتشكيل حكومة تستبعده من السلطة.

لكن المعركة لم تنته بعد. فآيزنكوت يحتاج إلى تحويل التأييد البرلماني إلى تحالف حكومي حقيقي، بينما لا يزال نتنياهو يمتلك أوراقاً سياسية وحزبية يمكن استخدامها لإفشال خصمه أو دفع إسرائيل إلى انتخابات جديدة.

والسؤال الأهم لم يعد فقط: هل يرحل نتنياهو؟ بل هل تستطيع إسرائيل إنتاج قيادة جديدة قادرة على تجاوز الانقسامات الداخلية وتغيير مسار سياساتها الإقليمية، أم أن رحيل الرجل، إذا تحقق، لن يكون سوى تغيير في الوجوه مع استمرار النهج السياسي والأمني نفسه؟

إن الأيام المقبلة قد تحدد ما إذا كانت إسرائيل على أعتاب نهاية حقبة نتنياهو، أم أمام فصل جديد من فصول أزمتها السياسية الممتدة.

مصطفى الكردي
مصطفى الكردي
محرر شؤون سياسية واقتصادية - مدير مكتب مجلة الدبلوماسية المغربية بالقاهرة
spot_imgspot_imgspot_imgspot_img