ذات صلة

أحدث المقالات

خطاب العرش 2026… حين ترسم الدولة أولويات المرحلة بلغة الاستمرارية

ليست خطابات العرش مجرد مواعيد دستورية تتجدد مع نهاية...

صفقة غزة الكبرى.. هل نجح ترمب في انتزاع موافقة «حماس» على نزع السلاح أم أن المعركة الحقيقية لم تبدأ بعد؟

أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ما وصفه بأنه “اختراق تاريخي” في مسار الحرب على غزة، مؤكداً أن “مجلس السلام” الذي شكله توصل إلى اتفاق يقضي بنزع سلاح حركة حماس والفصائل المسلحة الأخرى بصورة كاملة وعلى مراحل، بالتوازي مع انسحاب تدريجي للقوات الإسرائيلية، ونشر قوة دولية لتحقيق الاستقرار، وتولي لجنة وطنية فلسطينية إدارة القطاع. لكن، وعلى الرغم من الاحتفاء الأمريكي بهذا الإعلان، فإن الطريق إلى التنفيذ لا يزال مليئاً بالعقبات السياسية والأمنية والعسكرية.

اتفاق غير مسبوق.. لكنه لم يتحول بعد إلى واقع

بحسب الإعلان الأمريكي، فإن الاتفاق يمثل أحد أهم بنود خطة ترمب ذات العشرين نقطة لإنهاء الحرب، ويقوم على معادلة واضحة: تفكيك البنية العسكرية لحماس مقابل إنهاء الوجود العسكري الإسرائيلي داخل قطاع غزة بصورة متدرجة، مع إنشاء منظومة أمنية جديدة تديرها قوة دولية بالتعاون مع شرطة فلسطينية جديدة. كما شكر ترمب مصر وقطر وتركيا على دورها في الوساطة، معتبراً أن الاتفاق يمهد لتشكيل حكومة فلسطينية جديدة تتولى إدارة القطاع.

لكن ما بدا في واشنطن اختراقاً سياسياً، بدا في القاهرة والقدس وغزة مجرد بداية لمسار تفاوضي طويل، لأن كل طرف يقرأ الاتفاق بطريقة مختلفة.

عقدة السلاح.. جوهر الصراع وليس تفصيلاً

منذ اندلاع الحرب، كانت إسرائيل تعتبر أن أي وقف دائم لإطلاق النار لن يكون ممكناً من دون إنهاء القدرات العسكرية لحماس بالكامل، بينما أصرت الحركة على أن قضية السلاح لا يمكن فصلها عن إنهاء الاحتلال والانسحاب الإسرائيلي الكامل.

ولذلك جاءت الصيغة الجديدة محاولة للجمع بين المطلبين؛ إذ تنص على أن تنتقل الأسلحة الثقيلة ومخازنها والأنفاق تدريجياً إلى إشراف لجنة وطنية فلسطينية، تحت رقابة دولية، وليس إلى إسرائيل مباشرة، مع تنفيذ العملية وفق جدول زمني متعدد المراحل.

وهذه النقطة تمثل التحول الأهم، لأنها تنقل ملف السلاح من مواجهة مباشرة بين إسرائيل وحماس إلى آلية فلسطينية ـ دولية.

لماذا ما زالت إسرائيل متحفظة؟

رغم الترحيب الأمريكي، لم يصدر تأييد إسرائيلي كامل للخطة.

فمسؤولون إسرائيليون أكدوا أن الوثيقة لا تستجيب بصورة كافية لمطلب “النزع الكامل للسلاح”، وأن إسرائيل ما زالت تشترط إزالة كل القدرات العسكرية قبل أي انسحاب واسع للقوات الإسرائيلية من القطاع.

ويعكس هذا الموقف معضلة استراتيجية تواجه الحكومة الإسرائيلية:

الانسحاب أولاً يعني منح حماس فرصة لإعادة تنظيم نفسها.

أما الإصرار على النزع الكامل قبل الانسحاب فقد يؤدي إلى انهيار الاتفاق بأكمله.

موقف حماس.. قبول مشروط لا استسلام

في المقابل، تشير التصريحات الصادرة عن قيادات الحركة إلى أن ما حدث ليس تسليماً للسلاح بقدر ما هو قبول بترتيبات لإدارته وتخزينه ضمن إطار فلسطيني، مع ربط التنفيذ الكامل بعدة شروط، أهمها وقف العمليات العسكرية الإسرائيلية، الانسحاب التدريجي من القطاع، تدفق المساعدات الإنسانية، وإطلاق عملية إعادة الإعمار.

وتؤكد الحركة أن تنفيذ أي خطوات تتعلق بالسلاح سيبقى مرتبطاً بالتزام إسرائيل ببنود الاتفاق.

مصر.. الضامن الأكثر أهمية

إذا كان الإعلان أمريكياً، فإن التنفيذ عملياً يمر عبر القاهرة.

فمصر لا تلعب دور الوسيط فقط، بل تمثل الطرف الأكثر قدرة على متابعة تنفيذ مراحل الاتفاق، التنسيق الأمني مع جميع الأطراف، إدارة ملف المعابر، الإشراف على إدخال المساعدات، ودعم تشكيل الإدارة الفلسطينية الجديدة.

ولهذا جاء شكر ترمب العلني لمصر إلى جانب قطر وتركيا باعتباره اعترافاً بالدور المحوري للقاهرة في الوصول إلى هذه المرحلة.

هل تبدأ مرحلة جديدة في غزة؟

إذا نجحت الخطة، فإن غزة ستشهد للمرة الأولى منذ سنوات انتقالاً تدريجياً من منطق الفصائل المسلحة إلى نموذج إدارة مدنية مدعومة دولياً، وهو تحول قد يغيّر شكل القضية الفلسطينية بالكامل.

لكن نجاح هذا السيناريو يبقى رهناً بعدة عوامل هي قبول إسرائيل بالانسحاب المرحلي، التزام حماس بالتنفيذ الكامل، قدرة القوة الدولية على فرض الاستقرار، استمرار الدعم المصري والقطري والتركي، وتوفر تمويل ضخم لإعادة الإعمار.

تطور مهم.. بينما لم تنتهي الحرب

يمثل إعلان ترمب تطوراً سياسياً مهماً، لكنه لا يعني أن الحرب انتهت أو أن أزمة غزة حُلّت. فالخلافات الجوهرية بين إسرائيل وحماس لم تختفِ، وإنما جرى تأجيلها إلى مراحل التنفيذ.

وبينما ترى واشنطن أن الاتفاق بداية لشرق أوسط أكثر استقراراً، تنظر إسرائيل إليه من زاوية الأمن، فيما تعتبره حماس وسيلة لوقف الحرب دون تقديم صورة الاستسلام الكامل.

ولهذا، فإن الأسابيع المقبلة ستكون الاختبار الحقيقي: هل يتحول الاتفاق إلى واقع على الأرض، أم يصبح محطة جديدة في سلسلة المبادرات التي اصطدمت بتعقيدات الصراع الفلسطيني الإسرائيلي؟

مصطفى الكردي
مصطفى الكردي
محرر شؤون سياسية واقتصادية - مدير مكتب مجلة الدبلوماسية المغربية بالقاهرة
spot_imgspot_imgspot_imgspot_img