ذات صلة

أحدث المقالات

بروكسل تتمسك بالمسار السياسي في الصحراء وتحافظ على الشراكة الاستراتيجية مع الرباط

تتحرك المقاربة الأوروبية تجاه قضية الصحراء المغربية داخل معادلة...

«بعد بوتين».. هل بدأت روسيا فعلاً تقترب من نهاية حقبة الرئيس الروسي؟

غلاف مجلة «العالم الجديد» البريطانية الذي يصور الرئيس الروسي...

مسكين و«ثورة الملكية الديمقراطية».. هل اكتشف أن قوة الملكية تبدأ من قوة المؤسسات أم يريد تحميلها ثمن ضعفها؟

في الذكرى الثالثة والسبعين لثورة الملك والشعب، يضع يونس مسكين أمام القارئ سؤالاً يتجاوز المناسبة نفسها: ماذا لو كانت العلاقة بين الملكية والديمقراطية في المغرب ليست علاقة تناقض، وإنما مشروعاً تاريخياً لم يستنفد إمكاناته بعد؟ فـ20 غشت 1953 لم يكن بداية العلاقة بين العرش والحركة الوطنية، بل لحظة انفجار لمسار سبقه بسنوات، حين اختار الوطنيون ربط مطلب التحرر الوطني باستمرار الدولة المغربية وشرعية الملك، بدل تحويل الاستقلال إلى قطيعة مع المؤسسة التي كانت تمثل السيادة المغربية.

ثورة الملكية الديمقراطية

هذه النقطة لها أساس تاريخي واضح. وثيقة المطالبة بالاستقلال لسنة 1944 جمعت بين مطلب الاستقلال والوحدة الترابية تحت قيادة الملك، وبين الدعوة إلى إحداث نظام سياسي شوري يحفظ الحقوق والواجبات. ولذلك فإن الجمع بين الملكية والإصلاح السياسي ليس وافداً على التجربة المغربية، بل حاضر في واحدة من أهم وثائق الحركة الوطنية نفسها.

من هنا يبدأ المعنى الحقيقي لمقال مسكين. فهو لا يطرح الملكية في مواجهة الديمقراطية، بل يحاول أن يقول إن شرعية العرش يمكن أن تكون، تاريخياً وسياسياً، سنداً لبناء مؤسسات تمثيلية أقوى. لكن المقال يذهب أبعد من الوقائع حين يصور حكومة عبد الله إبراهيم باعتبارها لحظة كان يمكن أن تقود إلى ملكية برلمانية ثم انقطع مسارها. وجود حكومة عبد الله إبراهيم بين 1958 و1960 ثابت، أما اعتبارها بالضرورة بداية لمسار برلماني بديل فهو قراءة تاريخية تحتاج إلى أكثر من الاستنتاج.

الأهم أن الكاتب يستعيد تجربة التناوب في 1998 ليقرأها بوصفها لحظة أعادت فيها الملكية وصل ما انقطع بينها وبين المعارضة. وهذا تفسير له وجاهته السياسية، لكنه يظل تفسيراً لا حقيقة نهائية؛ فالتناوب ارتبط أيضاً بسياق اقتصادي وسياسي شديد التعقيد، وبالخوف من وصول البلاد إلى حالة انسداد شامل، وهو ما يفسر لماذا أصبح عبد الرحمن اليوسفي، القادم من المعارضة التاريخية، رئيساً للحكومة في عهد الحسن الثاني.

ثم يصل المقال إلى جلالة الملك المفدى محمد السادس، حيث يربط قوة المؤسسة الملكية بما يسميه «شرعية الملك الإنسان». وهنا يلتقي الخطاب مع مسار رسمي واضح منذ دستور 2011، الذي جعل النظام المغربي ملكية دستورية ديمقراطية برلمانية واجتماعية، وأكد فصل السلط وتوازنها وتعاونها وربط المسؤولية بالمحاسبة. كما نص على أن الملك رمز وحدة الأمة وضامن دوام الدولة واستمرارها وصيانة الاختيار الديمقراطي.

لكن السؤال الذي يطرحه الكاتب بعد ذلك هو الأكثر حساسية: إذا كانت الملكية قوية، فماذا يحدث عندما تضعف الأحزاب والبرلمان والحكومة والإدارة والوسائط السياسية؟ هنا لا يعود النقاش متعلقاً بمدى قوة المؤسسة الملكية، وإنما بكلفة ضعف المؤسسات المحيطة بها. وكلما عجزت المؤسسات المنتخبة عن إنتاج الثقة والتمثيل والمحاسبة، أصبح المجتمع أكثر ميلاً إلى تحميل الدولة في مجملها مسؤولية الاختلالات، وقد تنتهي المؤسسة الملكية إلى تحمل جزء من الكلفة السياسية التي يفترض أن تتحملها المؤسسات التنفيذية والمنتخبة.

هذه الفكرة تستحق النقاش، خصوصاً أن مؤشرات الثقة السياسية ليست مريحة. فقد أظهر استطلاع لأفروباروميتر في 2026 أن 73 في المائة من المغاربة المستجوبين ما زالوا يرون الانتخابات الآلية الوحيدة لاختيار القادة، فيما يرى 57 في المائة أن تعدد الأحزاب ضروري لتوفير خيارات حقيقية. وفي المقابل، أظهرت دراسة أخرى تراجع الثقة في المنتخبين والأحزاب وارتفاع الشعور بأن الوعود الانتخابية لا تُحترم.

لكن هنا تحديداً ينبغي التمييز بين نقد المؤسسات وبين وضع المسؤولية كلها في خانة واحدة. الحديث عن «مراكز مصالح» تستعمل قربها من السلطة لحماية نفوذها قد يكون موضوعاً مشروعاً للبحث الصحافي، لكنه يحتاج إلى أسماء ووقائع وملفات وأرقام، لا إلى التعميم. فالتحليل السياسي يصبح أقوى حين يحدد المسؤولية، وأضعف حين يوزعها على عبارات واسعة لا يمكن اختبارها.

وهنا أيضاً يمكن فهم عنوان المقال على نحو مختلف. «ثورة الملكية الديمقراطية» لا ينبغي أن تعني ثورة على الملكية، ولا تغييراً في طبيعة الدولة، وإنما إعادة تفعيل للبعد الديمقراطي داخل الملكية الدستورية نفسها. وهذا المعنى يجد سنده في الخطاب الدستوري المغربي منذ 2011، حين قُدّم الإصلاح باعتباره تعميقاً لفصل السلط وتوسيعاً لدور البرلمان وتقوية للحكومة المنبثقة عن الإرادة الشعبية وربطاً للسلطة بالمسؤولية والمحاسبة.

لذلك فإن السؤال الحقيقي الذي يتركه المقال ليس: هل نختار الملكية أم الديمقراطية؟ فهذا سؤال تجاوزه البناء الدستوري المغربي. السؤال الأصعب هو: هل يمكن جعل المؤسسات المنتخبة قوية بما يكفي لكي تمارس اختصاصاتها كاملة، من دون أن يُفهم ذلك باعتباره إضعافاً للملكية؟

الجواب، من داخل المنطق الدستوري نفسه، هو نعم. فالملك لا يستمد قوته من ضعف الحكومة، ولا تحتاج المؤسسة الملكية إلى برلمان ضعيف كي تكون قوية. بل إن دستور 2011 يضع الملك في موقع رمز وحدة الأمة وضامن دوام الدولة والاختيار الديمقراطي، بينما يمنح المؤسسات المنتخبة والتنفيذية أدواراً وصلاحيات محددة.

ومن هنا تصبح «الثورة» التي يتحدث عنها الكاتب أقل راديكالية مما توحي به الكلمة، وأكثر مؤسساتية مما يوحي به العنوان: أن تستعيد الأحزاب قدرتها على التمثيل، وأن تستعيد الانتخابات مضمونها السياسي، وأن تمارس الحكومة مسؤوليتها، وأن يؤدي البرلمان وظيفته التشريعية والرقابية، وأن تخضع الإدارة للقانون، وأن يبقى الاقتصاد بعيداً عن تحويل النفوذ الاقتصادي إلى نفوذ سياسي.

إذا تحقق ذلك، فلن تكون النتيجة ملكية أضعف، وإنما ملكية أقل تعرضاً لتحمل نتائج أخطاء الآخرين. ولن تكون الديمقراطية بديلاً عن الملكية، بل إحدى الوسائل التي تجعل الدولة أكثر توازناً وقدرة على تجديد شرعيتها.

وربما هنا تكمن أفضل قراءة لما أراد الصحافي قوله، حتى وإن لم يقلها بهذه الدقة: المطلوب ليس إعادة بناء المغرب خارج الملكية، وإنما إعادة بناء المجال السياسي داخلها؛ ليس تقليص مكانة العرش، وإنما تحرير المؤسسات من الضعف الذي يجعل كل شيء يُحال في النهاية على العرش.

تلك ليست ثورة على الملكية. إنها، إذا صحت الفكرة، محاولة لإخراج الملكية من عبء السياسة اليومية، وإعادة السياسة إلى المؤسسات التي أنشأها الدستور لهذه الغاية. وفي هذا المعنى تحديداً يمكن أن يصبح عنوان «ثورة الملكية الديمقراطية» قابلاً للدفاع عنه: ملكية قوية بشرعيتها، ومؤسسات قوية باختصاصاتها، وشعب لا يُطلب منه الاختيار بين الاستقرار والديمقراطية، لأن الاثنين يفترض أن يكونا جزءاً من الدولة نفسها.

spot_imgspot_imgspot_imgspot_img