ذات صلة

أحدث المقالات

تركيا تصعّد المواجهة مع إسرائيل: مذكرة اعتقال نتنياهو تفتح جبهات جديدة من غزة إلى سوريا

دخلت العلاقات التركية الإسرائيلية، مرحلة جديدة من التصعيد السياسي...

وهبي يتحدث عن استعادة القاصرين… فمن يستعيد الموتى؟

في سبتة، لم يعد الحديث عن الموتى استعارة صحافية....

تركيا تصعّد المواجهة مع إسرائيل: مذكرة اعتقال نتنياهو تفتح جبهات جديدة من غزة إلى سوريا

دخلت العلاقات التركية الإسرائيلية، مرحلة جديدة من التصعيد السياسي والقانوني، بعدما أعلنت أنقرة سعيها للحصول على نشرة حمراء من الإنتربول بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على خلفية قضية اعتراض «أسطول الصمود العالمي» المتجه إلى قطاع غزة.

لكن أهمية الخطوة لا تكمن في بعدها القضائي وحده؛ فهي تأتي في لحظة تتقاطع فيها عدة خطوط صدام بين أنقرة وتل أبيب: غزة، حركة حماس، سوريا، النفوذ العسكري، شرق المتوسط، والعلاقة مع الولايات المتحدة. والأهم أن الخلاف لم يعد مجرد حرب تصريحات بين رجب طيب أردوغان ونتنياهو، بل بدأ يلامس حسابات الأمن القومي المباشر للطرفين.

جدير بالذكر أن ما أعلنته تركيا هو طلب للحصول على نشرة حمراء من الإنتربول، وليس «مذكرة اعتقال دولية صادرة عن الإنتربول». فالإنتربول نفسه يوضح أن النشرة الحمراء طلب لتحديد مكان شخص واعتقاله مؤقتاً وفق قوانين الدول الأعضاء، وليست مذكرة اعتقال دولية، كما أن المنظمة لا تستطيع إجبار أي دولة على الاعتقال.

مذكرة نتنياهو.. تصعيد قانوني جديد

بحسب وزير العدل التركي أكين غورليك، طلبت وزارة العدل من وزارة الداخلية التقدم إلى الإنتربول بطلب إصدار نشرات حمراء بحق نتنياهو والمسؤول الأمني الإسرائيلي أفك موسكوفيتش.

وتعود القضية إلى اعتراض إسرائيل لأسطول الصمود العالمي في المياه الدولية في ماي (مايو/ أيار) الماضي، والذي كان يحمل مساعدات إنسانية إلى غزة. وتقول أنقرة إن الإجراءات الإسرائيلية بحق المشاركين في الأسطول تستوجب الملاحقة القضائية.

وبحسب وكالة الأناضول، تتضمن القضية التركية اتهامات تشمل «جرائم ضد الإنسانية» و«الإبادة الجماعية» و«الحرمان المشدد من الحرية» و«الإيذاء العمد» و«التعذيب» و«الإضرار بالممتلكات» و«السطو المشدد» و«اختطاف وسائل النقل».

وكانت محكمة الجنايات العليا الحادية عشرة في إسطنبول قد أصدرت في 14 يوليوز (يوليو/ تموز) الماضي مذكرات توقيف بحق نتنياهو وموسكوفيتش في إطار القضية، وفق وزير العدل التركي، الذي قال إن الإجراءات القضائية تشمل 35 متهماً.

وهنا تظهر أهمية التمييز بين المذكرة التركية والنشرة الحمراء: المذكرة صادرة عن القضاء التركي، بينما طلب النشرة الحمراء يمثل محاولة لتوسيع نطاق التعاون الشرطي الدولي بشأن هذه الملاحقة.

لماذا وصلت العلاقات التركية الإسرائيلية إلى هذه النقطة؟

الخلاف الحالي ليس وليد حادثة الأسطول وحدها. بل يمكن النظر إليه باعتباره نتيجة تراكم طويل من الأزمات، كان أبرزها حادثة سفينة «مافي مرمرة» عام 2010، عندما اقتحمت القوات الإسرائيلية سفينة تركية كانت ضمن أسطول يحاول الوصول إلى غزة، وقُتل عشرة مواطنين أتراك.

وتشير الجزيرة في خلفيتها التاريخية للحدث إلى أن «مافي مرمرة» كانت تحمل مساعدات إنسانية وناشطين من دول مختلفة بهدف كسر الحصار المفروض على قطاع غزة.

ومنذ ذلك الوقت، أصبح الملف الفلسطيني أحد أكثر الملفات حساسية في العلاقة بين أنقرة وتل أبيب.

لكن بعد حرب غزة، تحولت القضية إلى خلاف استراتيجي شامل.

فتركيا لا ترى غزة مجرد ملف إنساني، وإنما قضية ترتبط بمكانتها الإقليمية ودورها في النظام الشرق أوسطي، بينما ترى إسرائيل في الدور التركي المتنامي داخل الملف الفلسطيني تحدياً لنفوذها وأمنها.

غزة.. نقطة الصدام الأكثر وضوحاً

كانت غزة العامل الأكبر في انهيار ما تبقى من التعاون التركي الإسرائيلي.

وفي ماي (مايو/ أيار) 2024، أعلنت تركيا وقف جميع عمليات الاستيراد والتصدير مع إسرائيل، وربطت استئناف التجارة بالتوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار وضمان تدفق المساعدات الإنسانية إلى القطاع. وذكرت رويترز آنذاك أن حجم التجارة بين البلدين كان يقارب 7 مليارات دولار سنوياً.

ثم توسعت المواجهة السياسية إلى المؤسسات الدولية؛ إذ أصبحت أنقرة من أكثر العواصم انتقاداً لإسرائيل بشأن حرب غزة، وانضمت إلى الدعوى التي رفعتها جنوب أفريقيا أمام محكمة العدل الدولية بشأن اتهامات الإبادة الجماعية.

وفي المقابل، تنظر إسرائيل إلى مواقف أردوغان باعتبارها جزءاً من سياسة تركية تمنح حماس مساحة سياسية ودبلوماسية.

وتذهب تحليلات إسرائيلية إلى أن وجود قنوات اتصال تركية مع حماس يمثل أحد جذور الصدام؛ فقد أشارت «جيروزاليم بوست» إلى أن إسرائيل تعارض أي دور تركي مباشر في ترتيبات «اليوم التالي» في غزة، بينما تحاول أنقرة التأثير في مستقبل القطاع من خلال علاقاتها مع الحركة.

وهذا يجعل الخلاف بين البلدين يتجاوز سؤال «من يؤيد الفلسطينيين؟» إلى سؤال أكثر تعقيداً: من سيملك التأثير في شكل النظام الإقليمي الذي سيتبلور بعد الحرب؟

سوريا.. من الخلاف غير المباشر إلى الاحتكاك العسكري

إذا كانت غزة تمثل البعد السياسي والأيديولوجي في الصراع التركي الإسرائيلي، فإن سوريا تمثل البعد الأمني الأخطر.

فبعد سقوط نظام بشار الأسد وصعود القيادة السورية الجديدة، تعاظم الدور التركي في دمشق، في مقابل تنامي المخاوف الإسرائيلية من أن تتحول سوريا إلى قاعدة نفوذ تركية عسكرية وسياسية.

وفي 18 غشت (أغسطس/ آب) الجاري، نفذت إسرائيل غارة على قاعدة أبو الظهور الجوية في شمال غرب سوريا، بالقرب من الحدود التركية.

وقالت إسرائيل إن الضربة جاءت لمنع انتشار عسكري تركي محتمل في القاعدة، بينما نفت دمشق وجود خطة لإقامة قاعدة تركية دائمة هناك. ونقلت رويترز عن وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني قوله إن الضباط الأتراك زاروا الموقع في إطار التدريب والتعاون العسكري، لكنه نفى وجود خطة لانتشار تركي دائم.

أما تركيا فرفضت الرواية الإسرائيلية، ووصفت الاتهامات المتعلقة بموقعها العسكري في سوريا بأنها «غير قابلة للتصديق»، فيما أدانت الضربة الإسرائيلية.

الأكثر دلالة أن الولايات المتحدة تدخلت لمنع تحول الاحتكاك إلى مواجهة أكبر، إذ قالت رويترز إن واشنطن تعمل على إنشاء آلية لمنع الاحتكاك بين تركيا وإسرائيل وسوريا لتجنب سوء التقدير أو وقوع صدام عسكري غير مقصود.

وهذا مؤشر بالغ الأهمية: الخلاف التركي الإسرائيلي لم يعد نظرياً، بل بات يحتاج إلى آليات اتصال عسكرية لتجنب وقوع حادث بين قوتين إقليميتين كبيرتين.

إسرائيل ترى تركيا منافساً إقليمياً متصاعداً

الخطاب الإسرائيلي تجاه تركيا تغير بصورة واضحة خلال الأشهر الأخيرة.

ففي 20 غشت (أغسطس/ آب) الجاري، اتهم وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس أردوغان بأنه يقود تركيا نحو «مغامرات خطرة» في سوريا، في أعقاب الضربة الإسرائيلية على قاعدة أبو الظهور.

وقبل ذلك، رد وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر على انتقادات نظيره التركي هاكان فيدان، متهماً تركيا بالتدخل العسكري في سوريا وبممارسة ما وصفه بأنه انتهاك للسيادة السورية.

وفي إسرائيل أيضاً، حذر الرئيس السابق لمجلس الأمن القومي، مئير بن شبات، من أن صعود تركيا ونفوذ أردوغان الإقليمي يزيدان احتمالات المواجهة مع إسرائيل.

وتعكس هذه التصريحات تحولاً في النظرة الإسرائيلية: تركيا لم تعد تُعامل فقط كدولة تنتقد إسرائيل، وإنما كقوة يمكن أن تؤثر مباشرة في البيئة الأمنية المحيطة بها.

شرق المتوسط.. جبهة أخرى للخلاف

لا تتوقف الخلافات عند غزة وسوريا.

فهناك أيضاً صراع أوسع على شرق المتوسط، حيث ترتبط إسرائيل بعلاقات وثيقة مع اليونان وقبرص، بينما تخوض تركيا نزاعات طويلة الأمد حول الحدود البحرية وملف قبرص.

وتشير تحليلات إسرائيلية إلى أن التوتر في شرق المتوسط أصبح جزءاً من المنافسة بين أنقرة وتل أبيب على النفوذ الإقليمي. وتقول «جيروزاليم بوست» إن تركيا ترى في العلاقات الإسرائيلية مع قبرص واليونان تحدياً لنفوذها في المنطقة، فيما تنظر إسرائيل إلى الحضور التركي المتزايد باعتباره عاملاً أمنياً يجب مراقبته.

وبالتالي، فإن الخلاف التركي الإسرائيلي يمتد من سواحل غزة إلى الأراضي السورية وصولاً إلى شرق المتوسط.

التجارة.. عندما يتحول الاقتصاد إلى أداة ضغط

أحد أكثر التحولات وضوحاً في العلاقة كان انتقال الخلاف السياسي إلى المجال الاقتصادي.

فقد أوقفت تركيا التجارة مع إسرائيل في عام 2024، ثم اتخذت لاحقاً إجراءات إضافية تتعلق بالموانئ والمجال الجوي، وفق ما نقلته رويترز في شهر غشت (أغسطس/ آب) 2025 عن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان.

وبذلك، أصبحت العلاقة الاقتصادية نفسها جزءاً من أدوات الضغط السياسي.

وهذا مهم لأن تركيا وإسرائيل كانتا تمتلكان، قبل التدهور الأخير، شبكة واسعة من العلاقات التجارية والأمنية والسياحية، كما شهدت العلاقات بينهما مراحل من التقارب والقطيعة ثم إعادة التطبيع.

العامل الأمريكي.. واشنطن بين حليفين

المعضلة الأكبر بالنسبة إلى الولايات المتحدة أن تركيا وإسرائيل حليفتان مهمتان لواشنطن، لكنهما تتحركان في اتجاهين متعارضين في ملفات أساسية.

فتركيا عضو في حلف الناتو وتمثل قوة عسكرية واقتصادية مهمة في الشرق الأوسط، كما أن لها نفوذاً مباشراً في سوريا والعراق والبحر الأسود وشرق المتوسط.

وفي المقابل، تظل إسرائيل الحليف العسكري والسياسي الأبرز لواشنطن في المنطقة.

وتزداد المشكلة تعقيداً لأن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يحتفظ بعلاقات وثيقة مع أردوغان، في الوقت الذي تسعى فيه إدارته إلى إدارة العلاقات مع إسرائيل ونتنياهو.

وقد كشفت أزمة قاعدة أبو الظهور مدى صعوبة المعادلة؛ إذ قالت «أكسيوس» إن الضربة الإسرائيلية زادت التوتر بين ثلاثة شركاء للولايات المتحدة في المنطقة، في وقت تحاول فيه إدارة ترامب منع التصعيد.

هل تتحول تركيا وإسرائيل إلى مواجهة مباشرة؟

المواجهة المباشرة ليست السيناريو الأكثر ترجيحاً في المدى القريب، لكنها لم تعد سيناريو مستبعداً تماماً.

هناك عدة عوامل تمنع الطرفين من الذهاب إلى الحرب هي: عضوية تركيا في الناتو، وجود الولايات المتحدة كوسيط بين الطرفين، المصالح الاقتصادية والإقليمية المتبقية، رغبة أنقرة في تجنب حرب إقليمية واسعة، وإدراك إسرائيل أن تركيا قوة عسكرية كبيرة وليست خصماً يمكن التعامل معه بالطريقة نفسها التي تتعامل بها مع فصائل مسلحة.

لكن في المقابل، هناك عوامل تدفع باتجاه مزيد من الاحتكاك، أهمها سوريا، وملف حماس وغزة، والتنافس على النفوذ الإقليمي، وشرق المتوسط.

ولهذا فإن السيناريو الأكثر واقعية في المرحلة المقبلة هو استمرار ما يمكن وصفه بـ «المواجهة تحت سقف الحرب»: ضربات إسرائيلية في سوريا، ضغوط دبلوماسية تركية، ملاحقات قضائية، حرب تصريحات، إجراءات اقتصادية، ومحاولات أمريكية مستمرة لمنع تحول الاحتكاك إلى صدام عسكري مباشر.

مذكرة نتنياهو.. خطوة قانونية أم رسالة استراتيجية؟

من الخطأ النظر إلى التحرك التركي باعتباره مجرد إجراء قضائي معزول.

فأنقرة تستخدم هنا القانون الدولي والقضاء الوطني والدبلوماسية كأدوات من أدوات الصراع السياسي، بينما تستخدم إسرائيل القوة العسكرية والضغط السياسي والتحالفات الدولية في مواجهة النفوذ التركي.

لكن من الناحية العملية، لا يعني طلب النشرة الحمراء أن نتنياهو أصبح معرضاً تلقائياً للاعتقال في أي دولة.

فالإنتربول يؤكد صراحة أن النشرة الحمراء ليست مذكرة اعتقال دولية، وأن كل دولة تقرر وفق قوانينها ما إذا كانت ستتخذ إجراءً بحق الشخص المطلوب. كما أن طلبات النشرات تخضع لمراجعة للتأكد من توافقها مع قواعد المنظمة.

لذلك، فإن القيمة الأهم للخطوة التركية سياسية ودبلوماسية ورمزية، إلى جانب بعدها القضائي، أكثر من كونها أداة فورية لإلقاء القبض على نتنياهو.

من خصومة أردوغان ونتنياهو إلى صراع على شكل المنطقة

المشهد الحالي يكشف أن الخلاف التركي الإسرائيلي تجاوز بكثير العلاقة الشخصية المتوترة بين أردوغان ونتنياهو.

غزة هي نقطة الانطلاق، لكن سوريا هي عقدة الأمن، وشرق المتوسط هو ساحة النفوذ، وحماس هي أحد أهم مصادر الخلاف، والقانون الدولي أصبح أداة إضافية في المواجهة.

وفي المقابل، تنظر إسرائيل إلى الصعود التركي في سوريا وإلى علاقة أنقرة بحماس باعتبارهما جزءاً من تحدٍ إقليمي جديد. أما تركيا فترى أن العمليات الإسرائيلية في غزة وسوريا تقوض استقرار المنطقة وتهدد نفوذها ومصالحها الأمنية.

والأخطر أن البلدين يتحركان داخل منطقة تعاني أصلاً من أزمات متعددة، فيما تحاول واشنطن منع تحول المنافسة بينهما إلى مواجهة تركية إسرائيلية مفتوحة.

ومن ثم، فإن مذكرة توقيف نتنياهو وطلب النشرة الحمراء لا ينبغي قراءتهما باعتبارهما حادثة قانونية منفردة، بل باعتبارهما علامة جديدة على انتقال العلاقات التركية الإسرائيلية من مرحلة الخصومة السياسية إلى مرحلة تنافس جيوسياسي أكثر عمقاً، قد تصبح سوريا وغزة وشرق المتوسط ساحاته الرئيسية خلال الفترة المقبلة.

مصطفى الكردي
مصطفى الكردي
محرر شؤون سياسية واقتصادية - مدير مكتب مجلة الدبلوماسية المغربية بالقاهرة
spot_imgspot_imgspot_imgspot_img