ذات صلة

أحدث المقالات

تركيا تصعّد المواجهة مع إسرائيل: مذكرة اعتقال نتنياهو تفتح جبهات جديدة من غزة إلى سوريا

دخلت العلاقات التركية الإسرائيلية، مرحلة جديدة من التصعيد السياسي...

وهبي يتحدث عن استعادة القاصرين… فمن يستعيد الموتى؟

في سبتة، لم يعد الحديث عن الموتى استعارة صحافية....

المغرب واستباق الكوارث: حين تقول التقارير إن الدولة مستعدة… ثم تأتي الفيضانات لتسألها أين؟

في وثيقة للبنك الدولي، تبدو قصة المغرب مع الكوارث مكتملة تقريباً: أكثر من 230 مشروعاً للحد من المخاطر، 304 ملايين دولار من الاستثمارات، استراتيجية وطنية لإدارة مخاطر الكوارث، مديرية متخصصة، نظام للتأمين والحماية المالية، خرائط للمخاطر، ونظام للإنذار المبكر بالفيضانات. ويذهب البنك أبعد من عرض الأرقام، فيقول إن المغرب انتقل من منطق التدخل بعد وقوع الكارثة إلى بناء القدرة على الصمود قبل وقوعها. ثم يمنح البرنامج في تقريره النهائي تقييماً «مرضياً للغاية».

على الورق، يصعب العثور على قصة أكثر اكتمالاً. لكن الصحافة التي تبحث في ما وراء الأرقام لا تبدأ من الرقم الذي نجح، وإنما من اللحظة التي يصبح فيها الرقم مطالباً بإثبات نفسه خارج التقرير. وهنا يظهر زلزال الحوز أولاً، ثم تأتي فيضانات القصر الكبير وسهل اللوكوس لتضع المسألة في مكان آخر تماماً: ماذا تعني «القدرة على الصمود» عندما يرتفع منسوب الماء، وتغمر الأحياء، وتبدأ الدولة في إجلاء السكان وإيوائهم وتقديم المساعدات بعد وقوع الضرر؟

زلزال الحوز كان بالفعل شهادة حية على أن جزءاً من المنظومة المالية والمؤسساتية التي بناها المغرب كان موجوداً وقابلاً للتعبئة. البنك الدولي نفسه وثق أن صندوق التضامن والحماية المالية مكّنا من تعبئة نحو 300 مليون دولار بعد الزلزال، وأن آليات تسجيل المتضررين والتنسيق بين المؤسسات استُخدمت للمرة الأولى على نطاق واسع. هذه نقطة نجاح حقيقية لا ينبغي إنكارها. لكن الحوز كان في الوقت نفسه تذكيراً بحدود ما تستطيع النظم المالية والمؤسساتية فعله أمام كارثة جيولوجية شديدة.

المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه التجربة إلى شهادة عامة على أن المغرب أصبح قادراً على «استباق» الكوارث. فالإنذار المبكر ليس منعاً للفيضان، والتأمين ليس منعاً للخسارة، ورسم خريطة للخطر لا يعني بالضرورة أن العمران لن يتمدد داخله. بل إن البنك الدولي نفسه يقول إن نظام الإنذار المبكر للفيضانات كان، عند تقييمه، يعمل في أربع مناطق تجريبية فقط، هي المحمدية ومنطقة الغرب ووادي أوريكا وإقليم كلميم، ويقدر المستفيدين المباشرين منه بنحو 240 ألف شخص. لذلك فإن الحديث عن منظومة وطنية مكتملة يجب أن يظل أكثر تحفظاً من لغة الإنجاز الواسعة التي توحي بها العناوين.

ثم جاءت القصر الكبير في فبراير 2026. ارتفع منسوب وادي اللوكوس، وغمرت المياه أحياء من المدينة، واضطرت السلطات إلى إجلاء السكان وإيوائهم، ثم أطلقت الحكومة برنامجاً للدعم والتعويض شمل مساعدات مباشرة للأسر المتضررة، ودعماً لإعادة تأهيل المساكن والمحلات وإعادة بناء المنازل المنهارة. وبحسب المعطيات الرسمية، خصص للبرنامج الوطني الخاص بآثار الاضطرابات الجوية الاستثنائية ميزانية تقديرية بلغت ثلاثة مليارات درهم. هذه ليست مشكلة في أن تتدخل الدولة بعد الكارثة؛ فهذا واجبها. المشكلة الصحافية هي أن المدينة جاءت بعد سنوات من الحديث الرسمي والدولي عن الانتقال من إدارة آثار الكوارث إلى إدارة مخاطرها.

والأكثر دلالة أن النقاش لم يتوقف عند الأمطار الاستثنائية. بعد أشهر من الفيضانات، نشرت تقارير صحافية أن مشاريع وبنايات عمومية وخاصة في مناطق معرضة للخطر أصبحت موضع مراجعة، وأن تحريات أعقبت الأزمة أثارت تساؤلات حول البناء في مناطق كانت وكالة الحوض المائي اللوكوس تتحفظ بشأن السماح بالبناء فيها. إذا تأكدت هذه المعطيات في التحقيقات الرسمية، فإن القضية تتجاوز قدرة قناة الصرف أو فعالية الإنذار إلى سؤال أعمق: ماذا تفعل الدولة عندما تكون الخريطة تعرف الخطر، لكن العمران لا يتصرف دائماً وفق ما تقوله الخريطة؟

وهنا بالضبط تظهر المفارقة التي ينبغي أن يتوقف عندها تقرير البنك الدولي نفسه. فالوثيقة الخاصة بالجيل الجديد من برنامج القدرة على الصمود تقول إن الدعم السابق نجح في بناء «أسس قوية» خصوصاً على المستوى المركزي، لكنها تضيف أن المرحلة الثانية مطالبة بتوسيع العمل إلى المستوى القطاعي والمحلي، ودعم القدرة على الصمود في المدن، وتحسين جمع بيانات المخاطر وتقاسمها. بمعنى آخر، البنك نفسه يعترف بأن الانتقال من المركز إلى الأرض لم يكن قد اكتمل.

وهذه الملاحظة تغير قراءة الأرقام كلها. عندما يقول البنك إن التدخلات غير الهيكلية وصلت إلى أكثر من 33 مليون مستفيد، فهذا لا يعني أن 33 مليون شخص أصبحوا محميين فعلياً من الفيضان أو الزلزال. جزء كبير من هذا الرقم يتعلق بالمعرفة بالمخاطر، والتخطيط، والخرائط، والقدرات المؤسساتية. وعندما يقول إن مئات الآلاف استفادوا من مشاريع الحد من المخاطر، فهذا لا يعني أن المدن المغربية كلها أصبحت محصنة. الأرقام صحيحة داخل تعريفاتها التقنية، لكن تحويلها إلى صورة عامة عن «مغرب محصن» هو الذي يحتاج إلى التوقف.

ثم هناك مسألة أكثر حساسية: البنك الدولي لا يراقب تجربة خارجية لا علاقة له بها. إنه كان شريكاً في تمويل وتصميم الإصلاحات، ويشير صراحة إلى أن ثلاث عمليات للبنك بقيمة إجمالية بلغت نحو 580 مليون دولار دعمت الإصلاحات المؤسساتية والاستثمارات والحماية المالية. لذلك فإن إشادة البنك بنجاح البرنامج هي في الوقت نفسه إشادة بنتيجة برنامج ساهم هو في بنائه. هذا لا يبطل التقييم، لكنه يفرض على الصحافة أن تضع مسافة بين «نجاح البرنامج» و«نجاح الدولة في منع الكوارث».

المغرب إذن لا يبيع وهماً بالضرورة، والبنك الدولي لا يبيع الوهم بالضرورة؛ لكن هناك خطراً في أن تتحول لغة التمويل والتنمية إلى واقع بديل عن الواقع الميداني. فالقرض أو المنحة يمكن أن يمولا مؤسسة، والخريطة يمكن أن تحدد منطقة الخطر، والتأمين يمكن أن يدفع التعويض، والتقرير يمكن أن يمنح البرنامج تقييماً مرتفعاً. لكن لا شيء من ذلك يعفي الدولة من السؤال الأصعب: لماذا بقي الناس في المكان الذي غمره الماء؟ ولماذا لم تصل المعرفة بالخطر دائماً إلى قرار البناء والتعمير والاستثمار؟

لهذا يصبح زلزال الحوز والقصر الكبير صورتين مختلفتين للمسألة نفسها. الحوز أظهر أن المغرب استطاع تعبئة المال والمؤسسات عندما وقعت الكارثة؛ والقصر الكبير يختبر شيئاً آخر: هل تستطيع الدولة أن تحول معرفة الخطر إلى قرارات تمنع الخسارة قبل وقوعها؟ وبين الأمرين توجد المسافة الحقيقية بين «إدارة الكارثة» و«إدارة مخاطر الكارثة».

ربما يكون أهم ما في تقرير البنك الدولي أنه، من حيث لا يريد، يفتح هذا الباب بنفسه. فهو يقول إن الجيل الأول من الإصلاحات بنى الأساس، وإن الجيل الثاني يجب أن ينزل أكثر إلى المدن والقطاعات والمستوى المحلي. أي أن القصة لم تنته، خلافاً لما توحي به لغة الإنجاز. ما تحقق هو بناء جهاز أفضل لفهم الخطر وتمويل مواجهته؛ أما الامتحان الأصعب فهو أن يصبح هذا الفهم قادراً على تغيير المكان الذي نبني فيه، والطريقة التي نبني بها، وما نفعله قبل أن يرتفع الماء أو تهتز الأرض.

عند هذه النقطة تحديداً ينبغي أن تتوقف الصحافة عن عدّ المشاريع، وأن تبدأ في عدّ ما منعته فعلاً. فالمقياس الحقيقي للقدرة على الصمود ليس عدد الخرائط التي أنجزت، ولا قيمة القروض التي صُرفت، ولا عدد الأشخاص الذين يدخلون في خانة «المستفيدين». المقياس هو كم شخصاً لم يحتج إلى الإجلاء، وكم بيتاً لم يغرق، وكم بناية لم تنهَر، وكم خسارة أمكن منعها قبل أن تصبح فاتورة جديدة على الدولة والمجتمع.

ذلك هو الاختبار الذي لا يستطيع أي تقرير أن ينجزه نيابة عن الواقع.

spot_imgspot_imgspot_imgspot_img