هناك مفاوضات تبدأ لأن الحرب فشلت، وهناك مفاوضات تبدأ لأن السلام لم يعد ترفاً. وما جرى في واشنطن بين 23 و25 يونيو 2026 الجاري، ينتمي إلى النوع الثاني. فلم تكن الجولة الخامسة من المحادثات اللبنانية الإسرائيلية مجرد اجتماع دبلوماسي جديد، بل جاءت في لحظة تغيرت فيها البيئة الإقليمية كلها تقريباً، بعد أيام فقط من التفاهم الأمريكي الإيراني الذي فتح باباً واسعاً لإعادة ترتيب ملفات الشرق الأوسط، وفي مقدمتها لبنان.
من ينظر إلى هذه الجولة باعتبارها امتداداً تقنياً للجولات السابقة قد يفوته المشهد الأوسع. فالولايات المتحدة لم تجمع الوفدين اللبناني والإسرائيلي في وزارة الخارجية الأمريكية فقط من أجل مناقشة نقاط حدودية أو ترتيبات أمنية، بل لأنها ترى أن جنوب لبنان أصبح أحد الاختبارات الأولى لقدرة التفاهم مع طهران على إنتاج هدوء إقليمي قابل للاستمرار. وإذا نجحت هذه الساحة، فقد تصبح نموذجاً لساحات أخرى، وإذا فشلت، فإن ذلك سيطرح أسئلة كبيرة حول قيمة التفاهم الأمريكي الإيراني نفسه.
لماذا اكتسبت هذه الجولة أهمية مختلفة؟
ليست هذه هي أول مرة يجلس فيها اللبنانيون والإسرائيليون في واشنطن منذ اندلاع الحرب الأخيرة، لكنها المرة الأولى التي تنعقد بعد تغيرين استراتيجيين في وقت واحد.
الأول هو التفاهم الأمريكي الإيراني الذي أعاد فتح قنوات الاتصال بين واشنطن وطهران بعد أشهر من المواجهة العسكرية.
أما الثاني فهو اقتناع متزايد داخل الإدارة الأمريكية بأن استمرار الجبهة اللبنانية مشتعلة سيقوض أي محاولة لبناء استقرار إقليمي جديد.
ولهذا أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية أن الجولة التي استمرت ثلاثة أيام هدفت إلى دفع مسار سياسي وأمني متوازٍ يناقش مستقبل الحدود، والانسحاب الإسرائيلي، والترتيبات الأمنية، وآليات تثبيت وقف إطلاق النار.
وتشير تقديرات عدد من الباحثين في مراكز الدراسات الأمريكية إلى أن واشنطن لم تعد تنظر إلى الملف اللبناني باعتباره أزمة منفصلة، بل باعتباره جزءاً من هندسة أمنية أشمل تشمل الخليج وإيران وسوريا والعراق وشرق المتوسط.
ماذا يريد لبنان؟
دخل الوفد اللبناني الجولة وهو يحمل عنواناً سيادياً واضحاً.
الرئيس اللبناني جوزيف عون شدد قبل انطلاق المفاوضات على أن الهدف هو إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للنقاط المتبقية في الجنوب، وبسط سلطة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها، مع التأكيد أن خيار التفاوض تقوده الدولة اللبنانية وحدها.
وهذا الموقف يعكس تحولاً مهماً في الخطاب الرسمي اللبناني.
فبيروت تحاول استثمار الدعم الأمريكي والدولي لإعادة الاعتبار إلى مؤسسات الدولة باعتبارها الجهة الوحيدة المخولة إدارة ملف الحرب والسلم.
لكن هذا الطموح يصطدم بعقبة معقدة تتمثل في مستقبل السلاح خارج مؤسسات الدولة، وهو الملف الذي لا يزال أحد أكثر القضايا حساسية داخل لبنان.
ماذا تريد إسرائيل؟
في المقابل، تبدو المطالب الإسرائيلية أكثر ارتباطاً بالشق الأمني.
فالتقديرات الإسرائيلية، كما تعكسها تصريحات مسؤولين وتقارير صحفية إسرائيلية، تنطلق من أن أي اتفاق طويل الأمد يجب أن يمنع عودة التهديدات المسلحة على الحدود الشمالية، وأن يتضمن ترتيبات تحقق هدوءاً دائماً في الجنوب اللبناني.
ولهذا تركز إسرائيل على آليات الرقابة، وانتشار الجيش اللبناني، وتنفيذ الالتزامات الأمنية المنصوص عليها في التفاهمات السابقة والقرار 1701، معتبرة أن أي اتفاق سياسي لن يكون قابلاً للحياة إذا لم يقترن بضمانات أمنية واضحة.
واشنطن.. الوسيط الذي يريد أكثر من اتفاق
ربما كانت الولايات المتحدة الطرف الأكثر استعجالاً لنجاح هذه الجولة.
فالإدارة الأمريكية تدرك أن نجاح التفاهم مع إيران سيظل ناقصاً إذا بقيت الجبهات المتصلة بطهران مفتوحة.
ومن هنا يمكن فهم الإصرار الأمريكي على جمع الطرفين مجدداً في واشنطن، بالتوازي مع استمرار الاتصالات مع دول الخليج والمحادثات مع إيران.
وتشير تحليلات صادرة عن مراكز أبحاث أمريكية إلى أن واشنطن تسعى إلى بناء سلسلة من الاتفاقات الجزئية التي تتكامل لاحقاً في إطار إقليمي أكثر استقراراً، بدلاً من انتظار تسوية شاملة قد لا تأتي قريباً.
أين يقف حزب الله؟
لا يمكن قراءة هذه المفاوضات من دون التوقف عند موقع حزب الله.
فالحزب ليس مشاركاً مباشرة في المفاوضات، لكنه حاضر في كل بند تقريباً.
فإسرائيل تعتبر أن مستقبل الحدود مرتبط بمستقبل سلاح الحزب، بينما تؤكد الدولة اللبنانية أن معالجة هذا الملف يجب أن تتم ضمن المؤسسات اللبنانية وبما يحفظ السيادة الوطنية.
أما الولايات المتحدة، فتبدو حريصة على دفع الدولة اللبنانية إلى تعزيز دور الجيش والمؤسسات الرسمية، باعتبار ذلك الطريق الأكثر استدامة لبناء استقرار طويل الأمد.
وهنا تظهر إحدى أكثر معضلات المفاوضات تعقيداً، لأن أي تقدم سياسي سيظل مرتبطاً بقدرة الداخل اللبناني على إنتاج توافق وطني حول مستقبل المنظومة الأمنية.
هل غير التفاهم الأمريكي الإيراني قواعد اللعبة؟
الإجابة ليست مطلقة.
فالتفاهم لم يحل جميع الخلافات بين واشنطن وطهران، لكنه خفف من احتمالات الانفجار المباشر.
وهذا وحده منح الدبلوماسية مساحة أوسع للحركة.
وتشير تقديرات العديد من مراكز الدراسات الغربية إلى أن الملف اللبناني أصبح أحد الميادين التي يمكن من خلالها اختبار مدى استعداد الأطراف المختلفة لترجمة التهدئة السياسية إلى ترتيبات ميدانية.
فإذا نجحت واشنطن في تحقيق تقدم على الجبهة اللبنانية، فإن ذلك سيعزز الثقة في المسارات التفاوضية الأخرى.
أما إذا تعثرت المحادثات، فقد يصبح لبنان أول مؤشر على حدود التفاهم الأمريكي الإيراني.
ما الذي يمكن أن تخرج به الجولة؟
يصعب توقع اختراق جذري في ملفات تراكمت لعقود خلال ثلاثة أيام من الاجتماعات.
لكن النجاح الحقيقي لا يقاس دائماً بإعلان اتفاق نهائي.
أحياناً يكون النجاح في منع الحرب من العودة.
وأحياناً يكون في بناء آلية تفاوض دائمة تسمح بإدارة الخلافات بدلاً من تحويلها إلى مواجهات عسكرية.
ولهذا يرى كثير من المحللين أن أهمية الجولة الخامسة تكمن في أنها حافظت على مسار التفاوض مفتوحاً في لحظة كانت المنطقة تحتاج فيها إلى أي نافذة تمنع العودة إلى التصعيد.
لبنان بين الدولة والإقليم
يبقى السؤال الأكبر بعيداً عن واشنطن.
هل يستطيع لبنان استثمار هذا المسار لإعادة بناء مفهوم الدولة؟
فالسنوات الماضية أظهرت أن أي تسوية خارجية لن تعيش طويلاً إذا لم تستند إلى توافق داخلي.
كما أثبتت أن لبنان ظل، في كثير من المراحل، مرآة لصراعات المنطقة أكثر مما كان صانعاً لها.
لكن اللحظة الحالية قد تمنحه فرصة مختلفة.
فالمنطقة تعيد ترتيب أولوياتها، والقوى الدولية تبحث عن الاستقرار أكثر من البحث عن جولات جديدة من الصدام.
وفي مثل هذه اللحظات، لا تكتب الاتفاقات وحدها التاريخ، بل تكتبه أيضاً قدرة الدول على تحويل الفرص إلى مؤسسات، والهدن إلى استقرار، والمفاوضات إلى سلام لا يبقى رهينة موازين القوة المتحركة.
وربما لهذا السبب، لم تكن الجولة الخامسة في واشنطن مجرد محطة تفاوضية أخرى، بل اختباراً لشرق أوسط يحاول أن ينتقل، ولو بحذر، من زمن إدارة الحروب إلى زمن إدارة التسويات.



