ذات صلة

أحدث المقالات

حين تصارعت المشاريع وتداخلت الأزمات.. أين وقفت مصر في معركة إنقاذ الإقليم؟

حين ننظر إلى خريطة الشرق الأوسط خلال العقد الأخير،...

من الاغتصاب إلى الاستعباد في تندوف.. لماذا تسمع الأمم المتحدة صرخات النساء منذ عقود ولا تصل العدالة أبداً؟

من الاغتصاب إلى الاستعباد.. لماذا تتكرر مآسي نساء مخيمات تندوف في أروقة الأمم المتحدة دون أن تصل إلى العدالة؟

في كل مرة يفتح فيها مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان ملف النساء في مناطق النزاع، تعود مخيمات تندوف إلى الواجهة كجرح قديم لم يندمل. تتغير الوجوه والشهادات، وتتبدل الدورات الأممية، لكن جوهر الرواية يبقى واحداً: نساء يروين قصصاً عن العنف والصمت والخوف، بينما تبقى العدالة بعيدة المنال. وكأن الزمن داخل تلك المخيمات يسير في اتجاه مختلف عن العالم؛ حيث تتراكم الاتهامات وتتكرر الشهادات، لكن المسافة بين كشف الانتهاك ومحاسبة المسؤول عنه تظل شاسعة إلى حد يثير أسئلة أكبر من الوقائع نفسها.

في جنيف، حيث تنعقد الدورة الثانية والستون لمجلس حقوق الإنسان، عاد النقاش مجدداً حول أوضاع النساء في بؤر التوتر والنزاعات المسلحة، في سياق دولي متزايد القلق بشأن العنف القائم على النوع الاجتماعي في مناطق الهشاشة الأمنية والنزاعات الممتدة. وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن النساء والفتيات يظللن الفئة الأكثر تعرضاً للانتهاكات عندما تغيب مؤسسات الدولة وآليات الرقابة والمساءلة.

غير أن ما يميز ملف تندوف ليس فقط حجم الاتهامات أو طبيعتها، بل استمراريتها عبر الزمن. فمنذ سنوات طويلة، تظهر شهادات وبلاغات وتقارير حقوقية تتحدث عن انتهاكات تمس النساء داخل المخيمات الواقعة فوق التراب الجزائري والخاضعة فعلياً لإدارة جبهة البوليساريو، دون أن يؤدي ذلك إلى فتح مسار قضائي واضح أو مستقل قادر على الوصول إلى الحقيقة ومحاسبة المسؤولين إن ثبتت التهم المنسوبة إليهم.

ضمن هذا السياق، عادت قضية الصحراوية الحاملة للجنسية الإسبانية خديجتو محمود إلى الواجهة الدولية. فالقضية التي ظلت لسنوات تتنقل بين المنابر الحقوقية والإعلامية تحولت إلى رمز لمعاناة أوسع، تتجاوز تجربة فردية نحو سؤال جماعي يتعلق بمدى قدرة الضحايا داخل المخيمات على الوصول إلى العدالة. فحين يصبح المتهم شخصية نافذة أو قيادياً بارزاً، وحين تتداخل الاعتبارات السياسية مع الملفات الحقوقية، تتحول معاناة الضحية إلى جزء من معركة أكبر من قضيتها الشخصية.

لكن اختزال المشهد في قضية واحدة قد يكون مضللاً. فالمشكلة الحقيقية تكمن في تراكم روايات متشابهة تصف بيئة يقال إنها تفتقر إلى الضمانات الأساسية للحماية القانونية والرقابة المستقلة. وقد أثارت منظمات غير حكومية خلال جلسات متعددة لمجلس حقوق الإنسان مخاوف تتعلق بغياب آليات المراقبة المستقلة، واستمرار الهشاشة القانونية والاجتماعية التي يعيشها سكان المخيمات، خاصة النساء والفتيات.

وتتجاوز الاتهامات حدود الاعتداءات الجسدية أو الجنسية لتلامس قضايا أكثر تعقيداً تتعلق بالحرية الفردية والحق في اتخاذ القرار داخل الأسرة، والحق في التنقل، والحصول على الوثائق القانونية، والاستفادة من الحماية الاجتماعية والقانونية. وهي عناصر قد تبدو تقنية في ظاهرها، لكنها في الواقع تشكل الأساس الذي يحمي الإنسان من الوقوع في دائرة الاستغلال والعنف والإفلات من العقاب. فعندما تغيب الوثيقة القانونية، ويغيب القاضي المستقل، وتغيب إمكانية اللجوء إلى مؤسسات الدولة، يصبح الإنسان أكثر هشاشة أمام أي انتهاك محتمل.

ولعل أخطر ما تكشفه هذه الملفات ليس فقط وقوع الانتهاكات، بل استمرار ما يسميه الحقوقيون بـ”اقتصاد الصمت”. ففي البيئات المغلقة، حيث تتداخل السلطة السياسية مع البنية الاجتماعية والإنسانية، تصبح الشهادة مكلفة، ويصبح الحديث عن الانتهاك مخاطرة شخصية قد تترتب عليها تبعات اجتماعية أو أمنية. وهنا يتحول الصمت من موقف فردي إلى نظام كامل لإدارة الخوف.

وقد شهدت أروقة مجلس حقوق الإنسان خلال السنوات الماضية مداخلات لمنظمات وشخصيات حقوقية تحدثت عن ممارسات وصفتها بالاستعباد أو الإخضاع القسري لبعض النساء داخل المخيمات، داعية المجتمع الدولي إلى التدخل وإنهاء ثقافة الإفلات من العقاب. كما أثيرت مزاعم تتعلق بالاغتصاب والإكراه والاحتجاز القسري وحرمان النساء من بعض حقوقهن الأساسية، وهي ادعاءات تتطلب، بحكم خطورتها، تحقيقات مستقلة وشفافة قادرة على التحقق من الوقائع بعيداً عن الاستقطاب السياسي.

وهنا تبرز المعضلة الكبرى. فالقضية لم تعد مجرد ملف حقوقي خالص، بل أصبحت جزءاً من صراع سياسي وإقليمي طويل حول الصحراء. هذا التداخل يجعل كل شهادة عرضة للتشكيك، وكل اتهام عرضة للتسييس، وكل ضحية مهددة بأن تتحول قصتها إلى مادة ضمن معركة دبلوماسية بين أطراف النزاع. وفي كثير من الأحيان، يطغى الجدل السياسي على جوهر القضية: هل تعرضت امرأة لانتهاك أم لا؟ وهل حصلت على حقها في الإنصاف أم لا؟

وتزداد الصورة تعقيداً بسبب الطبيعة القانونية الخاصة للمخيمات. فهذه المناطق تطرح منذ سنوات أسئلة مرتبطة بالاختصاص القضائي والمسؤولية القانونية وسلطة الرقابة الدولية. فمن المسؤول فعلياً عن حماية السكان؟ ومن يملك سلطة التحقيق؟ ومن يضمن تنفيذ الأحكام إن صدرت؟ وهي أسئلة ظلت حاضرة في تقارير ومناقشات دولية عديدة دون أن تجد أجوبة نهائية تحظى بإجماع الأطراف المعنية.

وإذا كان العالم قد تعلم من تجارب نزاعات أخرى أن الإفلات من العقاب هو البيئة المثالية لتكرار الانتهاكات، فإن ما يحدث في تندوف يطرح الإشكالية نفسها. فالتاريخ الحديث مليء بالأمثلة التي أثبتت أن غياب المساءلة لا يؤدي إلى نسيان الجرائم، بل إلى إعادة إنتاجها بأشكال جديدة. لذلك لا تبدو القضية اليوم مجرد ملف يتعلق بحقوق نساء في مخيمات معزولة وسط الصحراء، بل اختباراً حقيقياً لقدرة المنظومة الدولية على حماية الفئات الأكثر هشاشة عندما تتقاطع السياسة مع حقوق الإنسان.

في النهاية، قد لا يكون السؤال الأهم هو عدد الشهادات التي قُدمت أمام مجلس حقوق الإنسان، ولا عدد التقارير التي صدرت، ولا حتى أسماء المتهمين أو الضحايا. السؤال الأعمق هو: ماذا تعني العدالة الدولية إذا ظلت قادرة على سماع الألم عاماً بعد عام، لكنها عاجزة عن تحويل ذلك الألم إلى حقيقة قضائية ومسار إنصاف؟ فالمأساة الحقيقية ليست فقط في وجود ضحايا يروين قصصهن أمام العالم، بل في أن يتحول تكرار هذه القصص إلى مشهد اعتيادي لا يثير سوى التعاطف، بينما تبقى العدالة غائبة خلف جدران السياسة والنفوذ والصمت.

spot_imgspot_imgspot_imgspot_img