ذات صلة

أحدث المقالات

إعادة توزيع الأدوار.. الشرق الأوسط يقرأ الرسالة الأمريكية من جديد

منذ نهاية الحرب الباردة، أصبح الوجود العسكري الأمريكي أحد...

غزة تمشي فوق الرماد – من يحكم القطاع عندما تتعب الحرب من نفسها؟

غزة.. مدينة تبحث عن السياسة بين أنقاض الحرب في الشرق...

إعادة توزيع الأدوار.. الشرق الأوسط يقرأ الرسالة الأمريكية من جديد

منذ نهاية الحرب الباردة، أصبح الوجود العسكري الأمريكي أحد ثوابت معادلة الأمن في الشرق الأوسط. لكن الثابت نفسه بدأ يتغير تدريجيًا، ليس لأن الولايات المتحدة فقدت اهتمامها بالمنطقة، وإنما لأنها تعيد تعريف مصالحها وأدواتها. فالحديث في واشنطن لم يعد يدور حول “الانسحاب الكامل”، بل حول “إعادة التموضع”، وهي عبارة تبدو عسكرية، لكنها تحمل مضمونًا سياسيًا واستراتيجيًا بالغ العمق.

هذا التحول ظهر بوضوح في التصريحات الرسمية الأمريكية التي أكدت أن تقليص الوجود العسكري في بعض الساحات لا يعني التخلي عن الالتزامات الأمنية. فوزارة الدفاع الأمريكية شددت على أن أي خفض للقوات سيكون مشروطًا بالأوضاع الميدانية، بينما أوضح مسؤولون أمريكيون بعد التفاهم مع إيران في يونيو 2026 الجاري، أن واشنطن لن تخفف انتشارها العسكري في الشرق الأوسط في المرحلة الحالية، وأن أي مراجعة مستقبلية ستظل مرتبطة بالتزام طهران بما تم الاتفاق عليه.

وتشير دراسة صادرة عن مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) إلى أن الانسحاب الأمريكي من سوريا يمثل نهاية مرحلة امتدت أكثر من عقد، لكنه لا يعني نهاية الدور الأمريكي، إذ ستستمر واشنطن في دعم عمليات مكافحة الإرهاب عبر الشركاء المحليين، والاستخبارات، والدعم اللوجستي. وترى الدراسة أن هذا التحول يعكس انتقال الولايات المتحدة من نموذج “الوجود المباشر” إلى نموذج “إدارة النفوذ عن بُعد”، وهو اتجاه ينسجم مع أولويات الإدارات الأمريكية المتعاقبة في تقليص الانخراط العسكري المباشر.

لكن السؤال الذي يشغل مراكز الدراسات لا يتعلق بالولايات المتحدة وحدها، بل بالفراغ الذي قد يتركه أي انسحاب. فقد حذرت تقارير أمريكية وعربية من أن تقليص الوجود العسكري قد يفتح المجال أمام قوى إقليمية ودولية لإعادة رسم خرائط النفوذ، سواء عبر إيران، أو روسيا، أو تركيا، أو حتى التنظيمات المتطرفة التي قد تستغل أي فراغ أمني. ولهذا اعتبرت دراسة CSIS أن خطر عودة تنظيم داعش لا يزال قائمًا إذا لم تتمكن الحكومات المحلية من ملء الفراغ الأمني بعد الانسحاب الأمريكي.

وفي المقابل، لا تنظر دول الخليج إلى إعادة الانتشار الأمريكي باعتبارها مسألة عسكرية فقط، بل باعتبارها اختبارًا لموثوقية الضمانات الأمنية الأمريكية. وقد عكست جولة وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو في الخليج هذا القلق، حيث أكد للمسؤولين الخليجيين أن أي تفاهم مع إيران لن يكون على حساب أمن شركاء واشنطن، وأن الولايات المتحدة لن تقدم تنازلات تمس أمن الخليج أو حرية الملاحة في مضيق هرمز. كما أظهرت التصريحات المشتركة استمرار التركيز على الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة والجماعات المسلحة باعتبارها ملفات لا تزال محل خلاف مع طهران.

ويرى عدد من المحللين الأمريكيين أن الولايات المتحدة لا تغادر الشرق الأوسط، بل تغير طريقة حضورهـا. فبدلًا من نشر أعداد كبيرة من القوات البرية، تتجه إلى تعزيز القدرات البحرية والجوية، وتوسيع شبكات الشراكة الدفاعية، والاعتماد بصورة أكبر على الحلفاء الإقليميين. وقد نقلت رويترز في وقت سابق عن مسؤولين أمريكيين أن عمليات سحب بعض الأفراد من قواعد في المنطقة جاءت كإجراء احترازي مرتبط بالتصعيد، وليس بوصفها قرارًا استراتيجيًا بالانسحاب الشامل.

أما على المستوى الدولي، فإن أي تراجع أمريكي في الشرق الأوسط ستكون له انعكاسات تتجاوز حدود الإقليم. فالمنطقة لا تزال تضم أهم ممرات الطاقة العالمية، وعلى رأسها مضيق هرمز، كما أنها تمثل نقطة تقاطع بين المصالح الأمريكية والصينية والروسية والأوروبية. ولذلك فإن تقليص الحضور الأمريكي قد يمنح قوى منافسة مساحة أوسع لتعزيز نفوذها، وهو ما تنظر إليه دوائر صنع القرار في واشنطن باعتباره تحديًا استراتيجيًا لا يقل أهمية عن التنافس في المحيطين الهندي والهادئ.

في النهاية، يبدو أن الشرق الأوسط يدخل مرحلة جديدة عنوانها ليس “الانسحاب الأمريكي”، بل “إعادة توزيع الأدوار”. فواشنطن لم تعد راغبة في تحمل أعباء الشرطي الوحيد للإقليم، لكنها أيضًا لا تبدو مستعدة للتخلي عن مصالحها الاستراتيجية أو عن تحالفاتها التاريخية. وبين هذين الخيارين، يبقى مستقبل الأمن الإقليمي مرهونًا بقدرة دول المنطقة على بناء منظومة توازن أكثر استقلالًا، وبقدرة الولايات المتحدة على إدارة انتقال نفوذها دون أن تترك فراغًا يملؤه الصراع بدلًا من الاستقرار.

مصطفى الكردي
مصطفى الكردي
محرر شؤون سياسية واقتصادية - مدير مكتب مجلة الدبلوماسية المغربية بالقاهرة
spot_imgspot_imgspot_imgspot_img