ذات صلة

أحدث المقالات

غزة تمشي فوق الرماد – من يحكم القطاع عندما تتعب الحرب من نفسها؟

غزة.. مدينة تبحث عن السياسة بين أنقاض الحرب في الشرق...

المونديال 2026.. الإعلام العالمي يعترف: المغرب لم يعد مفاجأة.. بل منتخبًا يخشاه الكبار

“روح قتالية وهدوء ونضج”.. كيف غيّر المغرب نظرة الإعلام العالمي بعد إسقاط هولندا؟ وهل أصبح المنتخب يُرهب الكبار قبل صافرة البداية؟

لم يكن تأهل المنتخب المغربي إلى ثمن نهائي كأس العالم 2026 مجرد انتصار آخر يُضاف إلى سجل “أسود الأطلس”، بل بدا وكأنه لحظة جديدة في مسار التحول الذي تعيشه كرة القدم المغربية، لحظة دفعت وسائل الإعلام الدولية إلى تجاوز لغة وصف المباراة، نحو محاولة تفسير ما أصبح يمثله المغرب في الخريطة الكروية العالمية. فحين تتفق صحف فرنسية وبريطانية وأوروبية على أن المنتخب المغربي يجمع بين “الروح القتالية” و”الهدوء” و”النضج”، فإنها لا تتحدث عن تسعين دقيقة فقط، وإنما عن مشروع رياضي بات يفرض نفسه على أكبر المنصات الإعلامية في العالم.

فالمنتخب الذي نجح في إقصاء هولندا بركلات الترجيح، بعد واحدة من أكثر مباريات البطولة إثارة وتعقيداً، لم يلفت الانتباه بسبب النتيجة وحدها، بل بسبب الطريقة التي تعامل بها مع مختلف مراحل اللقاء؛ من السيطرة على مجريات اللعب، إلى امتصاص صدمة التأخر في النتيجة، ثم العودة في الوقت القاتل، وأخيراً إدارة الضغط النفسي خلال ركلات الترجيح ببرودة أعصاب قلّما تظهر في المنتخبات الشابة.

هذه التفاصيل هي التي دفعت الإعلام الدولي إلى إعادة قراءة شخصية المنتخب المغربي، باعتباره منتخباً لا يعتمد فقط على المهارة الفردية أو الحماس الجماهيري، وإنما على منظومة متكاملة أصبحت قادرة على إدارة المباريات الكبرى بأدوات تكتيكية وذهنية عالية المستوى.

ولعل اللافت في التغطيات الإعلامية العالمية أن أغلبها لم يركز على أسماء اللاعبين بقدر ما ركز على شخصية الفريق. فموقع Foot Mercato الفرنسي رأى أن المغرب بعث برسالة قوية إلى جميع المنافسين، مفادها أن طموح “أسود الأطلس” لا يتوقف عند تجاوز الأدوار الأولى، بل يمتد إلى الذهاب بعيداً في المنافسة. أما صحيفة L’Équipe فاعتبرت أن العودة المغربية في الوقت بدل الضائع لم تكن ضربة حظ، وإنما نتيجة مباشرة للإيمان الجماعي والقدرة على الصمود حتى آخر ثانية.

هذا التحليل يكشف تحولاً مهماً في نظرة الإعلام الأوروبي. ففي السابق، كانت الانتصارات الإفريقية تُفسر غالباً بالحماس أو المفاجأة أو تراجع مستوى الخصم، أما اليوم فإن الصحافة نفسها أصبحت تتحدث عن التنظيم، والقراءة التكتيكية، والانضباط، وإدارة التفاصيل الصغيرة التي تصنع الفارق في البطولات الكبرى.

أما Le Parisien وEurosport وRMC Sport، فقد توقفت عند جانب مختلف، يتمثل في النضج الذهني الذي أظهره المنتخب المغربي. فبعد مباراة مفتوحة استنزفت اللاعبين بدنياً ونفسياً، لم يظهر على المغاربة أي ارتباك خلال ركلات الترجيح، في حين بدت الضغوط النفسية أكبر على المنتخب الهولندي، رغم خبرته الطويلة في المنافسات الدولية.

وهنا يبرز عنصر كثيراً ما أهملته التحليلات التقليدية، وهو أن كرة القدم الحديثة أصبحت لعبة ذهنية بقدر ما هي لعبة بدنية. فالمنتخبات الكبرى لا تُهزم بسبب نقص المهارة، وإنما عندما تفقد قدرتها على التحكم في انفعالاتها تحت الضغط. والمغرب، خلال السنوات الأخيرة، أظهر تطوراً واضحاً في هذا الجانب، وهو ما جعل الإعلام يتحدث عن “الهدوء” باعتباره أحد أهم أسلحة المنتخب.

ومن زاوية أخرى، رأت هيئة الإذاعة البريطانية BBC أن المنتخب المغربي أصبح يمثل الأمل الأكبر للقارة الإفريقية في هذه النسخة من كأس العالم، وهو توصيف يحمل دلالات تتجاوز الجانب الرياضي. فالمغرب لم يعد يُنظر إليه باعتباره ممثلاً لبلد واحد فقط، بل باعتباره نموذجاً لإمكانية منافسة المنتخبات الأوروبية والأمريكية على أعلى مستوى، وهو ما يعزز صورة الكرة الإفريقية في المحافل الدولية.

أما صحيفة Le Monde الفرنسية، فقد ذهبت أبعد من النتيجة، معتبرة أن المغرب كان الطرف الأكثر خطورة خلال معظم فترات اللقاء، رغم تأخره في النتيجة. وهذا التقييم يعكس تحولاً مهماً في قراءة المباريات؛ إذ لم يعد التفوق يُقاس فقط بعدد الأهداف، وإنما بقدرة الفريق على فرض إيقاعه، وصناعة الفرص، والتحكم في المساحات، وامتلاك المبادرة التكتيكية.

وإذا عدنا إلى تفاصيل المباراة نفسها، فإنها كانت بالفعل اختباراً معقداً أمام منتخبين يحتلان المركزين السادس والسابع في التصنيف العالمي للاتحاد الدولي لكرة القدم، ما جعلها واحدة من أقوى مواجهات الدور الثاني. تقدم المنتخب الهولندي عبر كودي خاكبو في الدقيقة الثانية والسبعين، في وقت كانت فيه السيطرة الميدانية تميل بشكل واضح إلى المغرب، قبل أن ينجح “أسود الأطلس” في إدراك التعادل خلال الوقت بدل الضائع عن طريق عيسى ديوب، ثم يحسموا التأهل بركلات الترجيح في سيناريو جسّد معنى الإصرار حتى اللحظة الأخيرة.

لكن القراءة الأعمق لهذا الانتصار لا تتعلق بهدف التعادل أو بركلات الترجيح، وإنما بما تكشفه هذه المباراة عن تطور النموذج المغربي في إدارة كرة القدم. فمنذ سنوات، اختار المغرب الاستثمار في البنيات التحتية، وتطوير مراكز التكوين، وتأهيل الأطر التقنية، والاهتمام بالعلوم الرياضية، وربط المنتخبات الوطنية بمشروع طويل المدى بدل الاعتماد على الحلول الظرفية. والنتائج التي يحققها المنتخب الأول اليوم ليست سوى انعكاس طبيعي لهذا التراكم.

كما أن هذا التحول لم يعد ينعكس فقط داخل المستطيل الأخضر، بل أيضاً في صورة المغرب دولياً. فكل انتصار في بطولة عالمية يتحول إلى قوة ناعمة تعزز حضور المملكة على الساحة الدولية، وتقدم نموذجاً لدولة استطاعت أن تجعل الرياضة جزءاً من استراتيجيتها التنموية والدبلوماسية والثقافية.

وفي المقابل، يفرض هذا النجاح تحديات جديدة. فكلما ارتفعت سقوف التوقعات، ازدادت الضغوط على المنتخب والجهاز التقني والجامعة الملكية المغربية لكرة القدم. ولم يعد السؤال هو: هل يستطيع المغرب مفاجأة الكبار؟ بل أصبح: كيف يحافظ على مكانته بين الكبار؟ فالانتقال من منتخب يصنع المفاجآت إلى منتخب يُنتظر منه الفوز باستمرار هو أصعب مراحل التطور الرياضي.

كما أن إشادة الإعلام العالمي، رغم أهميتها، لا ينبغي أن تتحول إلى مصدر للاكتفاء الذاتي. فالمنتخبات التي حافظت على حضورها في القمة لعقود، مثل فرنسا وإسبانيا وألمانيا والأرجنتين، لم تبنِ مكانتها على بطولة واحدة أو جيل واحد، بل على استمرارية المشروع، وتجديد المواهب، والحفاظ على الهوية التكتيكية، والاستثمار الدائم في التكوين والبحث العلمي الرياضي.

وفي النهاية، ربما لم يكن أهم ما قالته الصحافة العالمية عن المغرب هو الحديث عن “الروح القتالية” أو “الهدوء” أو “النضج”، بل اعترافها الضمني بأن المنتخب المغربي لم يعد ظاهرة عابرة أو مفاجأة مؤقتة، وإنما أصبح منافساً يُحسب له ألف حساب قبل انطلاق المباراة. وهنا يبرز السؤال الذي يتجاوز حدود هذه المواجهة: هل وصل المغرب إلى المرحلة التي أصبحت فيها المنتخبات الكبرى تخطط لكيفية مواجهة “أسود الأطلس”، تماماً كما كان المغرب في الماضي يخطط لكيفية مواجهة تلك المنتخبات؟ فإذا كانت الإجابة نعم، فإن أكبر انتصار للمغرب قد لا يكون التأهل إلى ثمن النهائي، بل نجاحه في تغيير نظرة العالم إليه، من منتخب يبحث عن الاعتراف، إلى قوة كروية تفرض الاحترام قبل أن تُطلق صافرة البداية.

spot_imgspot_imgspot_imgspot_img