كان جالساً فوق صخرة.
وحده.
لا بيت خلفه، ولا سرير ينتظره، ولا مائدة، ولا يد تمتد إليه. كانت إحدى قدميه مصابة، وجسده يحمل آثار التعب، بينما كان يجلس على ذلك الحجر في انتظار شيء لا يعرف متى سيأتي: طعام، ماء، دواء، أو ربما إنسان يتوقف فقط ليسأله: هل أنت بخير؟
هذه ليست لقطة من فيلم.
إنه شاب مغربي في مقتبل العمر، بالكاد يخرج من سنوات طفولته، وجد نفسه في سبتة المحتلة في ظروف لا يتمنى أحد أن يرى فيها ابنه.
https://www.instagram.com/p/DcoCJlwoopG/
شاهدت المقطع أكثر من مرة.
وفي كل مرة كنت أتوقف عند وجهه.
ليس عند الحدود، ولا عند البحر، ولا عند قضية الهجرة.
عند وجهه فقط.
كان في وجهه شيء من ذلك الصمت الذي لا يحتاج إلى كلام. صمت شاب لم يعد يملك ما يقوله، لأن الجوع والإرهاق والوحدة أحياناً تجعل الكلام ترفاً.
ثم ظهرت سيارة صغيرة.
توقفت.
نزل منها شخص.
اقترب منه.
كان يحمل ماءً وطعاماً، وتبين أنه من الصليب الأحمر.
وفي تلك اللحظة حدث شيء صغير جداً، لكنه كان بالنسبة إلى ذلك الشاب كل شيء.
ابتسم.
ابتسامة قصيرة، متعبة، لكنها حقيقية.
كأن الحياة التي كانت قد ابتعدت عنه قليلاً عادت فجأة إلى وجهه.
كأن أحداً قال له، ولو من دون كلمات: نحن نراك.
وهنا توقفت طويلاً.
كم يحتاج الإنسان لكي يبتسم؟
ذلك الشاب لم يكن يحتاج إلى خطاب سياسي.
لم يكن يحتاج إلى وعد انتخابي.
لم يكن ينتظر سيارة فاخرة.
لم يكن يطلب قصراً.
كان يحتاج إلى ماء.
وقليل من الطعام.
ويد إنسانية تمتد إليه.
فكيف وصل ابننا إلى مكان أصبح فيه كوب ماء حدثاً يستحق أن تعود معه الابتسامة إلى وجهه؟
هذه هي القصة التي ينبغي أن نتوقف عندها.
ليس لأن شاباً مغربياً وصل إلى سبتة فقط.
بل لأن خلف هذا الشاب قصة بلد، وقصة أسرة، وقصة مدرسة، وقصة حي، وقصة أحلام لم تجد طريقها إلى الواقع.
انظروا إليه كابنكم
أرجو، قبل أن نواصل الحديث عن الهجرة والحدود والأمن والسياسة، أن ننظر إلى هذه الصورة مرة أخرى.
لكن هذه المرة، لا تنظروا إليها بعين السياسي.
ولا بعين رجل الأمن.
ولا بعين الصحافي.
انظروا إليها بعين الأب.
هل تستطيع أن تتخيل ابنك مكانه؟
جالساً على صخرة.
قدمه مصابة.
جائع.
لا يعرف أين سينام.
ينتظر شخصاً غريباً كي يمنحه زجاجة ماء.
هل تستطيع أن تكمل المشاهدة بالطريقة نفسها؟
الأم سترى شيئاً آخر.
سترى وجه ولدها.
ستتوقف عند القدم المصابة.
ستتساءل أين نام؟
ماذا أكل؟
هل كان خائفاً؟
هل بكى؟
هل نادى على أمه؟
وهل كانت أمه تعرف أين هو؟
لهذا لا أريد أن نختزل هذا الشاب في كلمة «مهاجر».
الكلمة سهلة.
باردة.
ومريحة أحياناً.
لكن خلفها إنسان.
وخلف الإنسان أم وأب وأسرة وطفولة وأحلام.
من أين يأتي الشاب الذي لا يرى مستقبله إلا وراء البحر؟
لا نريد أن نكذب على أنفسنا.
لا أحد يغادر وطنه، في سن صغيرة، ليجلس مصاباً فوق صخرة، لأنه يحب الجوع أو البرد أو الخوف.
ولا أحد يعرض حياته للخطر في البحر لأنه يبحث عن المغامرة.
هناك دائماً شيء دفعه إلى التفكير بأن الطريق الآخر، مهما كان قاسياً، ربما يكون أقل قسوة من البقاء.
ربما كان الفقر.
ربما البطالة.
ربما التعليم الذي لم يمنحه ما كان ينتظره.
ربما شعوره بأن أبناء غيره يتقدمون بينما هو واقف مكانه.
ربما تأثير صور أوروبا التي تدخل كل يوم إلى هاتفه.
وربما كل هذه الأشياء مجتمعة.
لكن الأكيد أن وراء كل محاولة عبور قصة إنسانية لا يمكن اختصارها في محضر أمني.
وهذا الشاب، بجلوسه فوق تلك الصخرة، يقول لنا شيئاً من دون أن يتحدث.
يقول إن هناك جيلاً من الشباب يريد أن يعيش.
فقط أن يعيش.
أن يجد عملاً.
أن يتعلم.
أن يشعر بأنه مهم.
أن يكون له مكان في بلده.
أن يحلم من دون أن يكون البحر هو الطريق الوحيد الذي يراه أمامه.
سبتة المحتلة.. حين يصبح الأطفال والشباب المغاربة هدفاً في الشارع: اعتداءات أمام صمت الرباط والمجتمع الدولي
حين يصبح الطعام نفسه جزءاً من المعركة
وفي سبتة، لا تتوقف القصة عند الشاب.
هناك جانب آخر أكثر إيلاماً.
في الأيام الأخيرة، تحدثت تقارير عن عرقلة وصول مساعدات الصليب الأحمر إلى أماكن وجود المهاجرين، في وقت كانت فيه المنظمة تقدم الطعام والماء والمساعدة الصحية.
وهنا يصبح السؤال أكبر من الهجرة.
متى يصبح الإنسان خصماً إلى درجة أن يُمنع عنه الطعام؟
إذا كان الصراع السياسي حول الحدود مفهوماً ضمن منطق الدول، فإن الجوع لا ينبغي أن يكون جزءاً من الصراع.
الحدود يمكن أن تكون مغلقة.
القوانين يمكن أن تطبق.
والدول يمكن أن تختلف.
لكن الإنسان الجائع يظل إنساناً.
والشاب المصاب يظل شاباً.
والطفل الذي ينام في العراء لا يتحول إلى شيء آخر لمجرد أنه عبر الحدود.
وهنا تصبح صورة الصليب الأحمر وهي تصل إلى شاب فوق صخرة أقوى من عشرات البيانات.
لأنها تعيد القضية إلى أصلها:
إنسان أمام إنسان.
أي وطن نريد لأبنائنا؟
قد يغضب البعض من هذا الكلام.
وقد يقول آخرون: ومن المسؤول عن قرار هؤلاء الشباب بالذهاب إلى سبتة؟
السؤال مشروع.
لكن هناك سؤالاً آخر يجب ألا نخاف منه:
ما الذي جعل بعض أبنائنا يعتقدون أن المخاطرة بحياتهم تستحق المحاولة؟
نحن نحب أن نتحدث عن المغرب الكبير، عن تاريخه، عن حضارته، عن إنجازاته، عن مشاريعه، عن مكانته.
وكل ذلك مهم.
لكن عظمة الدول لا تقاس فقط بما تبنيه في المدن الكبرى.
ولا بما تنجزه من مشاريع.
ولا بما تقوله في الخطب.
هناك امتحان آخر أكثر قسوة:
كيف تعامل الدولة أبناءها عندما يكونون في أضعف لحظات حياتهم؟
ذلك الشاب هو أحد الامتحانات.
وهو امتحان لنا جميعاً.
إلى البرلماني والوزير والمسؤول
أيها البرلماني الذي يستعد لحملة انتخابية جديدة، توقف لحظة أمام هذه الصورة.
قبل أن تطلب صوتاً من مواطن، اسأل نفسك ماذا قدمت لشاب مثل هذا.
وأيها الوزير، لا تنظر إلى القضية باعتبارها رقماً في ملف الهجرة.
انظر إلى وجهه.
وأيها المسؤول، تذكر أن الكراسي التي نجلس عليها مؤقتة، وأن المناصب تنتهي، وأن الانتخابات تنتهي، وأن الحكومات تتغير.
لكن آثار القرارات التي نتخذها في حياة الناس قد تبقى سنوات.
وربما عقوداً.
أما الدولة، بكل مؤسساتها، فعليها أن تنظر إلى الصورة من زاوية مختلفة تماماً.
ذلك الشاب ليس رقماً.
ليس ملفاً.
ليس مشكلة أمنية.
إنه ابن من أبنائها.
والدولة التي تريد أن تمنع أبناءها من عبور البحر، عليها قبل ذلك أن تمنحهم سبباً قوياً للبقاء.
لنحذر من الاعتياد
أخطر ما يمكن أن يحدث لنا ليس أن نشاهد هذه الصور.
بل أن نعتاد عليها.
أن نرى شاباً مغربياً في البحر فلا نتوقف.
طفلاً ينام في الشارع فلا نتوقف.
أماً تبكي ابنها فلا نتوقف.
شاباً مصاباً وجائعاً فوق صخرة فلا نتوقف.
ثم ننتقل إلى الخبر التالي.
إلى المباراة التالية.
إلى الصراع السياسي التالي.
إلى الانتخابات التالية.
وكأن شيئاً لم يحدث.
لا ينبغي أن يصبح ألم أبنائنا خبراً عابراً.
لأن اليوم هو شاب مجهول يجلس فوق صخرة في سبتة.
وغداً قد يكون شاباً آخر.
وبعده آخر.
حتى يصبح السؤال ليس: لماذا يهربون؟
بل: كيف سمحنا لأنفسنا أن يصبح الهروب حلماً؟
وتبقى تلك الابتسامة
ربما ينسى الناس الأرقام.
وربما تتغير الأخبار.
وربما تنتهي أزمة سبتة وتأتي أزمة أخرى.
لكنني لا أعتقد أنني سأستطيع نسيان تلك اللحظة.
شاب يجلس وحيداً فوق صخرة.
قدم مصابة.
جسد متعب.
عينان تبحثان عن النجدة.
ثم تصل سيارة صغيرة.
ماء.
طعام.
يد تمتد إليه.
وفجأة…
يبتسم.
يا لهذا الوجع الذي تختصره ابتسامة!
ابتسامة شاب لم يكن يريد من العالم الكثير.
كان يريد فقط أن يشعر أن أحداً لم يتركه وحده.
وفي تلك اللحظة، لا يعود السؤال عن المغرب أو إسبانيا.
لا يعود السؤال عن الحدود أو الهجرة أو السياسة.
يصبح السؤال أبسط وأقسى:
هل كنا سنقبل أن يكون أحد أبنائنا هو ذلك الشاب الجالس فوق الصخرة؟
إذا كانت الإجابة «لا»، فعلينا أن نتوقف طويلاً أمام الصورة.
لأن الشاب الذي رأيناه ليس ابن أسرة واحدة فقط.
إنه واحد من أبنائنا جميعاً.
والتاريخ، مهما كان عظيماً، لن يحمي أمة لا تستطيع أن تحمي كرامة أبنائها وهم في أضعف لحظاتهم.
وربما لهذا السبب بالذات، يجب ألا ننظر إلى تلك الصورة ونبكي فقط.
علينا أن نخجل قليلاً… ثم نسأل ماذا سنفعل حتى لا تتكرر.