ذات صلة

أحدث المقالات

زيارة شي جين بينغ إلى القاهرة.. قمة مصرية – صينية ترسم ملامح شراكة جديدة

القاهرة - تستعد القاهرة لاستقبال الرئيس الصيني شي جين...

سبتة المحتلة بعد موجة العبور: 23 اعتداءً جنسياً تكشف الوجه الآخر لأزمة لم تنتهِ عند الحدود

لم تعد أزمة سبتة المحتلة تُقاس بعدد الذين عبروا إليها في نهاية يوليوز، ولا بعدد الذين أعيدوا أو غادروا المدينة خلال الأسابيع التالية. بعد شهر واحد، بدأت الأزمة تظهر في مكان آخر: في مراكز الحماية، وفي المحاكم، وفي شكايات النساء والقاصرات، وفي أجهزة دولة اضطرت إلى توسيع قدراتها القضائية والأمنية لاستيعاب تداعيات أيام استثنائية.

آخر الأرقام التي كشفت عنها النيابة العامة الإسبانية تكشف جانباً بالغ الحساسية من هذه المرحلة: 23 اعتداءً جنسياً سجلت في سبتة المحتلة بين 30 يوليوز و31 غشت، بينها خمس حالات اغتصاب، وتسع ضحايا تتراوح أعمارهن بين 14 و17 سنة.

لكن الرقم، مهما كان صادماً، لا يكفي وحده لفهم ما يجري.

فالأمر يتعلق، بحسب المعطيات المتاحة، باعتداءات استهدفت في الغالب نساء وفتيات مهاجرات وصلن إلى المدينة خلال موجة العبور الجماعي. وأفادت مصادر إعلامية إسبانية أيضاً بوجود حالة لذكر من مجتمع الميم، وبأن بعض الاعتداءات ارتكبها أكثر من شخص.

المهم هنا هو أن النيابة العامة لا تقدم هذه الوقائع باعتبارها دليلاً على أن الهجرة بحد ذاتها أنتجت العنف الجنسي، وإنما باعتبارها جزءاً من ارتفاع في بعض فئات الجرائم خلال الأزمة. المدعية العامة للدولة، تيريزا بيرامو، كانت قد تحدثت خلال زيارتها لسبتة عن ارتفاع الاعتداءات الجنسية، إلى جانب جرائم ضد الممتلكات وجرائم الاعتداء ومقاومة رجال السلطة.

وهنا تبدأ القصة الحقيقية.

من رقم في سجل النيابة إلى سؤال الحماية

القاصرات التسع لسن مجرد رقم إضافي في حصيلة جنائية. أعمارهن بين 14 و17 سنة، أي أن جزءاً من الأزمة وقع على فتيات كنّ أصلاً في وضع هش: عبور مفاجئ، فقدان الاستقرار، غياب الأسرة أو ضعف شبكات الحماية، ثم الإقامة في فضاءات مؤقتة لم تكن معدة لاستقبال هذا الحجم من الأشخاص.

بعد شهر تقريباً من موجة الدخول، كانت السلطات في سبتة لا تزال تحاول إدخال مئات الفتيات إلى منظومة حماية القاصرين. وتحدثت وسائل إعلام إسبانية في 31 غشت عن بقاء قرابة 300 فتاة خارج نظام الحماية، في وقت كانت فيه السلطات تجهز فضاءات جديدة لاستقبال النساء والفتيات.

هذه المفارقة أكثر أهمية من الرقم نفسه: الاعتداء يقع في لحظة تصبح فيها الحماية أضعف ما تكون.

فالخطر بالنسبة إلى امرأة أو قاصر وصلت إلى مدينة في ظروف استثنائية لا يبدأ بالاعتداء الجنسي، ولا ينتهي عند الشرطة أو النيابة العامة. يبدأ قبل ذلك، عندما لا يكون لديها مكان آمن للنوم، أو عندما تكون هويتها ووضعها القانوني والاجتماعي غير محسومين، أو عندما تصبح القدرة على الوصول إلى الخدمات الصحية والنفسية والقانونية محدودة بسبب الضغط المفاجئ على المؤسسات.

ولهذا لم يكن القضاء الإسباني وحده من أظهر علامات الضغط.

في 18 غشت، طلب المجلس العام للقضاء الإسباني تعزيز محاكم سبتة بقضاة وموظفين ذوي خبرة، بعدما وصف تأثير أزمة 30 و31 يوليوز على الخدمة القضائية بأنه استثنائي، خصوصاً على أقسام التحقيق والخدمات المناوبة. وأشار التقرير إلى الحاجة إلى مزيد من الموارد في قضايا العنف ضد المرأة والاعتداءات الجنسية.

بمعنى آخر، الأزمة انتقلت من الشاطئ والحاجز الحدودي إلى داخل مؤسسات الدولة.

ثمانية مشتبه فيهم لا يساوون 23 اعتداءً

في الجانب الجنائي، حددت قوات الأمن حتى الآن ثمانية مشتبه فيهم: أربعة مغاربة، وثلاثة إسبان، وبلجيكي واحد. لكن النيابة تؤكد أن بقية المعتدين ما زالوا مجهولي الهوية.

وهذه المعلومة تستحق التوقف عندها لأن بعض التغطيات السياسية والإعلامية اختارت التركيز على الجنسية المغربية، بينما لا تسمح الأرقام نفسها بهذا التبسيط.

أربعة من أصل ثمانية مشتبه فيهم معروفين يحملون الجنسية المغربية، لكن ذلك لا يعني أن أربعة مغاربة ارتكبوا أربعة فقط من الاعتداءات، ولا أن بقية الاعتداءات ارتكبها مهاجرون. فهناك 23 واقعة، مقابل ثمانية مشتبه فيهم تم تحديد هوياتهم فقط، والتحقيقات لم تنته بعد.

La Fiscalía registra 23 agresiones sexuales en Ceuta durante la crisis migratoria

الفرق بين المعطى الجنائي والاستنتاج السياسي هنا ليس تفصيلاً.

فالجريمة ينبغي أن تُحاسب باعتبارها جريمة، وأن يتحمل مرتكبها المسؤولية أياً كانت جنسيته. لكن تحويل جنسية بعض المشتبه فيهم إلى تفسير شامل لظاهرة كاملة يحتاج إلى أدلة لا توفرها الأرقام الحالية.

وفي الاتجاه الآخر، لا يجوز أن يؤدي الخوف من استغلال القضية سياسياً إلى التقليل من خطورتها أو إلى تجاهل الضحايا.

الدولة الإسبانية أمام اختبار آخر

منذ 30 يوليوز، تعاملت مدريد مع الأزمة باعتبارها أزمة حدود وأمن وهجرة. وزارة الداخلية أعلنت إجراءات لتعزيز الحدود، وأكدت أن التعاون مع المغرب كان جزءاً أساسياً من التعامل مع التدفق، كما شرعت في تركيب حاجز عائم في منطقة تاراخال بعد قرار قضائي متعلق بآليات الرفض على الحدود.

لكن الأحداث اللاحقة فرضت على الدولة الإسبانية تعريفاً أوسع للأزمة.

لم يعد السؤال فقط: كيف نمنع الدخول غير النظامي؟

بل أصبح أيضاً: ماذا نفعل بمن دخل؟ أين يقيم؟ كيف نحمي القاصرين؟ كيف نضمن ألا تتحول أماكن الإيواء المؤقتة إلى فضاءات جديدة للخطر؟ وكيف تستطيع الشرطة والنيابة والقضاء التعامل مع هذا الحجم من الملفات دون أن تضيع حقوق الضحايا وسط الضغط الإداري؟

وزارة الداخلية اضطرت في نهاية غشت إلى تعزيز جهاز الفرز والتعريف بالمهاجرين، وإضافة خطوط عمل جديدة في مركز الاستقبال المؤقت، إلى جانب تعزيز الطاقم المكلف بمعالجة طلبات الحماية الدولية.

وهذا يكشف أن الأزمة لم تكن عابرة بالمعنى المؤسسي، حتى لو تراجعت أعداد الموجودين في المدينة.

ما الذي لم نعرفه بعد؟

الرقم 23 قابل للتغير. وهو في الواقع تغير بالفعل خلال أيام قليلة.

في 27 غشت، كانت المدعية العامة تتحدث عن 16 اعتداءً جنسياً و17 ضحية. وبعد أربعة أيام فقط، أصبح الرقم 23 اعتداءً، بينها خمس حالات اغتصاب، مع تسع قاصرات بين الضحايا.

هذا لا يعني بالضرورة أن الاعتداءات وقعت كلها خلال الأيام الأربعة الفاصلة؛ بل يعني أن التحقيقات والشكايات والمعلومات التي تصل إلى النيابة تتطور مع الوقت.

ومن هنا تأتي ضرورة الحذر في قراءة الأرقام: نحن أمام ملفات قيد التحقيق، لا أمام حكم قضائي نهائي في 23 قضية.

لكن هناك حقيقة أخرى أصبحت واضحة بما يكفي: النساء والفتيات اللواتي عبرن إلى سبتة دخلن مرحلة ثانية من الأزمة، أقل ظهوراً من مشاهد الحدود وأكثر تعقيداً منها.

الأزمة الأولى كانت مرئية: آلاف الأشخاص على الشاطئ، الشرطة، الحواجز، البحر.

الأزمة الثانية أكثر صمتاً: فتاة تحتاج إلى مكان آمن، ضحية تحتاج إلى علاج وشهادة قانونية، ملف يحتاج إلى قاضٍ، ومؤسسة مطالبة بأن تحمي أشخاصاً لم تكن مستعدة لاستقبالهم بهذا العدد.

وهنا تكمن المسألة التي يتجاوز بها هذا الرقم حدود الجريمة الفردية.

23 اعتداءً جنسياً لا تشرح وحدها أزمة سبتة، لكنها تكشف أن الأزمة لم تنته عندما هدأت الحدود. لقد انتقلت إلى داخل المدينة، حيث أصبحت قدرة الدولة على الحماية والعدالة والرعاية هي الاختبار الحقيقي لما بعد موجة العبور.

والأرقام القادمة ستكون مهمة، ليس فقط لمعرفة عدد الاعتداءات التي وقعت، وإنما لمعرفة ما إذا كانت المؤسسات قد تمكنت من سد الثغرات التي جعلت بعض النساء والقاصرات أكثر عرضة للخطر في الأسابيع الأولى.

هناك، بعيداً عن صور الحدود، ستظهر الكلفة الحقيقية لأزمة 30 يوليوز.

spot_imgspot_imgspot_imgspot_img