ذات صلة

أحدث المقالات

حين مُزّق العلم المغربي في إسبانيا… الحركة الشعبية ترد: الصداقة لا تعني إهانة المغرب

لم يكن المشهد مجرد قطعة قماش تُنتزع من بين الأيدي ثم تُرمى. حين يُمزق العلم المغربي في فضاء سياسي إسباني، فإن الصورة تتجاوز لحظتها، لأن العلم هنا ليس تفصيلاً في مشهد عابر، بل رمز دولة وذاكرة جماعية وكرامة وطنية. ولهذا جاء رد حزب الحركة الشعبية حاداً في لهجته، واضحاً في رسالته: يمكن للمغرب أن يختلف مع إسبانيا، ويمكنه أن يتفاوض معها، ويمكنه حتى أن يصطدم معها حول المصالح، لكن لا يمكن أن تتحول الصداقة إلى إذن بالإهانة.

بيان الأمانة العامة للحركة الشعبية، الذي وقعه الأمين العام محمد أوزين، لم يكتف بإدانة تمزيق العلم المغربي. وضع الواقعة في مكان أكبر بكثير من حدودها المباشرة، معتبراً إياها مساساً بالسيادة الوطنية والكرامة والذاكرة الجماعية للمغاربة.

وهنا تحديداً تبدأ دلالة الموقف.

فالحركة الشعبية لم تتعامل مع الواقعة باعتبارها مجرد تصرف استفزازي صادر عن أفراد أو تيار سياسي إسباني، بل قرأتها باعتبارها سلوكاً يعكس، بحسب لغة البيان، نزعة استعمارية تنتمي إلى الماضي. وهذه العبارة ليست تفصيلاً في بيان سياسي؛ لأنها تستدعي تاريخاً لا يزال حاضراً في العلاقات المغربية الإسبانية، مهما حاولت المصالح الاقتصادية والسياسية أن تطوي صفحاته.

لكن اللافت أن البيان، رغم حدته، لم يذهب إلى الدعوة إلى القطيعة أو التصعيد مع إسبانيا.

العكس تماماً.

الحركة الشعبية تقول إن المغرب سيستمر في التشبث بعلاقات الصداقة وحسن الجوار والتعاون مع إسبانيا. وهذه ربما هي النقطة الأكثر أهمية في الرسالة كلها: المغرب يستطيع أن يرفض الإهانة من دون أن يرفض العلاقة.

ذلك أن المشكلة، كما يفهم من البيان، ليست مع الشعب الإسباني، ولا مع إسبانيا كدولة، وإنما مع ممارسات سياسية ترى الرباط أنها تعيد إنتاج خطاب قديم لا ينسجم مع طبيعة العلاقات التي يفترض أن تجمع البلدين اليوم.

وهنا ينتقل البيان من العلم إلى ما هو أبعد من العلم.

فحين يتحدث عن حق المغرب السيادي في تحديد طبيعة علاقاته ومصالحه الاستراتيجية، فإنه يستحضر بصورة واضحة الملفات التي لا تزال تشكل جوهر العلاقة المغربية الإسبانية: الاقتصاد، التجارة، البحر، المصالح الاستراتيجية، والصيد البحري.

والرسالة السياسية التي يمكن قراءتها بين السطور تبدو مباشرة: المغرب لا يدير علاقاته الخارجية تحت ضغط الاستفزاز، ولا يقايض سيادته بمصالح اقتصادية، ولا يقبل أن تتحول الشراكة إلى وصاية على قراراته.

وهذه النقطة تكتسب وزناً أكبر في ملف الصيد البحري، الذي ظل لسنوات أحد أكثر الملفات حساسية في العلاقة بين المغرب والاتحاد الأوروبي وإسبانيا تحديداً. فالقرار المغربي، كما يؤكد البيان، يجب أن ينطلق من المصلحة الوطنية ومن القرار المستقل، وليس من رغبات أطراف خارجية.

ليس هناك في البيان ما يثبت وجود علاقة مباشرة بين حادثة تمزيق العلم وبين ملف الصيد البحري. لكن وضع الملفين في السياق نفسه يجعل الرسالة السياسية أوسع من مجرد إدانة حادثة رمزية.

المغرب يريد أن يقول إن زمن العلاقة التي تُدار بمنطق رد الفعل قد انتهى.

لقد تغيرت موازين كثيرة خلال السنوات الماضية. وإسبانيا نفسها انتقلت من مرحلة التوتر إلى مرحلة جديدة من التعاون مع الرباط، خصوصاً بعد التحول الكبير في موقف مدريد من قضية الصحراء المغربية. ولذلك فإن عودة بعض الخطابات أو السلوكيات التي تستحضر لغة الماضي الاستعماري تبدو، من وجهة النظر المغربية، نشازاً داخل علاقة يفترض أنها دخلت مرحلة مختلفة.

ومن هنا يمكن فهم نبرة محمد أوزين.

فالأمين العام للحركة الشعبية لم يضع الصداقة في مواجهة الكرامة، بل أعاد تعريفها: الصديق الحقيقي لا يطلب من المغرب أن يتنازل عن سيادته حتى تستمر العلاقة، وحسن الجوار لا يعني الصمت أمام الإهانة، والحوار لا يصبح ممكناً إلا عندما يجلس الطرفان إلى الطاولة وهما متساويان.

وهذا بالضبط ما يلخصه البيان في واحدة من أقوى عباراته: «الصداقة لا تعني التخلي عن الكرامة، وحسن الجوار لا يعني قبول الإهانة، والحوار لا يمكن أن ينجح إلا على أساس الندية والاحترام المتبادل».

في السياسة، الكلمات ليست دائماً مجرد كلمات.

أحياناً تكشف طريقة اختيارها عن حجم الرسالة أكثر مما تكشفه القرارات الرسمية. والحركة الشعبية اختارت هنا مفردات السيادة والكرامة والندية والاحترام المتبادل، وهي مفردات تتجاوز حادثة العلم نفسها لتضع العلاقة المغربية الإسبانية أمام قاعدة جديدة: التعاون نعم، لكن من دون عقدة الماضي؛ الصداقة نعم، لكن من دون تنازل؛ والحوار نعم، لكن ليس من موقع الضعف.

قد يمر المشهد سريعاً في الإعلام الإسباني، وقد يُنظر إلى تمزيق العلم باعتباره تصرفاً سياسياً محدوداً. لكن في المغرب، الرموز الوطنية لا تُقرأ بهذه الخفة.

العلم الذي يُمزق أمام الكاميرات ليس مجرد صورة عابرة. إنه صورة تصل إلى ملايين المغاربة، وتستدعي تاريخاً كاملاً من الصراع من أجل السيادة، وتلامس ذاكرة وطنية شديدة الحساسية تجاه كل ما يُفهم منه احتقار المغرب أو التقليل من شأنه.

لذلك اختارت الحركة الشعبية أن ترفع الصوت، ولكنها لم تغلق الباب.

وهذه ربما هي الرسالة الأكثر ذكاءً في البيان: الغضب لا يعني القطيعة.

فالمغرب، كما يقول الموقف، لا يبحث عن أزمة جديدة مع إسبانيا. لكنه أيضاً لا يريد علاقة يُطلب منه فيها أن يبتلع الإهانة باسم الصداقة.

في النهاية، قد يكون العلم هو الذي مُزق في تلك اللحظة، لكن السؤال السياسي الذي تركته الواقعة أكبر بكثير: أي نوع من العلاقات تريد الرباط مع مدريد؟

الجواب الذي حمله بيان الحركة الشعبية واضح: علاقة تعاون، نعم؛ مصالح مشتركة، نعم؛ حوار دائم، نعم. لكن فوق كل ذلك، دولة مغربية تقرر مصالحها بنفسها، وتعرف أين تبدأ الصداقة وأين تنتهي التنازلات.

فالكرامة الوطنية ليست ورقة تفاوض، والسيادة ليست تفصيلاً في اتفاق، والصداقة مع إسبانيا لا يمكن أن تكون على حساب احترام المغرب.

spot_imgspot_imgspot_imgspot_img