ذات صلة

أحدث المقالات

اليمن لا يحتاج إلى كثير من النار كي يتذكر الحرب.. الانتقال مجددًا من الهدنة للقتال يبدو قريبًا

لم يكن اليمن يحتاج إلى كثير من النار كي يتذكر الحرب. يكفي صاروخ واحد يسقط قرب مدينة مأرب، أو طائرة مسيّرة تحلق فوق معسكر، أو سفينة تغيّر مسارها في البحر الأحمر، حتى تستيقظ ذاكرة بلد عاش أكثر من عقد وهو يتنقل بين الحرب والهدنة، وبين الهدنة التي لا تصنع سلاماً والسلام الذي لا يجد طريقه إلى الهدنة.

لكن ما يجري الآن مختلف.

فالتصعيد الأخير لا يبدو مجرد جولة جديدة من المناوشات على خطوط التماس، بل يحمل ملامح محاولة لإعادة ترتيب قواعد الصراع اليمني من الداخل، بالتزامن مع اشتعال الإقليم حول إيران والبحر الأحمر. ولهذا حذّر المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ من خطر عودة البلاد إلى دورة جديدة من العنف، مؤكداً أن اليمن لا يستطيع تحمل أن يتحول مرة أخرى إلى ساحة للصراع الإقليمي.

مأرب.. المكان الذي لا يريد الحوثيون أن يظل خارج المعادلة

في قلب التصعيد تقف مأرب.

هذه المحافظة ليست مجرد نقطة جغرافية في الخريطة اليمنية؛ إنها واحدة من أهم مفاتيح القوة العسكرية والاقتصادية والسياسية في البلاد. ومنذ سنوات، ظلت مأرب خطاً أحمر أمام محاولات الحوثيين توسيع سيطرتهم باتجاه الشرق والجنوب، كما تمثل قاعدة مهمة للقوات الحكومية ولشبكات الطاقة والطرق التي تربط مناطق اليمن المختلفة.

ولهذا فإن استهداف مواقع عسكرية في مأرب لا يمكن قراءته بمعزل عن الحسابات الأوسع للحرب.

فبحسب ما نقلته رويترز، قُتل ما لا يقل عن 30 جندياً من القوات الحكومية اليمنية في الهجمات الحوثية التي استهدفت معسكرات في مأرب وحضرموت، وفق مصادر حكومية، في تطور يعكس انتقال التصعيد من التهديدات البحرية إلى ضغط عسكري مباشر على الجغرافيا التي تسيطر عليها الحكومة.

والأهم أن حضرموت دخلت أيضاً دائرة الاستهداف.

وهنا تتغير دلالة المعركة. فحضرموت هي أكبر محافظات اليمن مساحة، وتمتلك أهمية استراتيجية واقتصادية كبيرة، كما أنها تمتد بمحاذاة الحدود السعودية. ولذلك فإن أي تصعيد فيها يفتح الباب أمام إعادة تعريف الصراع ليس باعتباره نزاعاً على صنعاء أو مأرب فقط، وإنما صراعاً على الجغرافيا الشرقية لليمن وعلى خطوط الاتصال والطاقة والحدود.

الحوثيون يوسعون المعركة من البر إلى البحر

ما يجعل التصعيد الحالي أكثر خطورة هو أنه لا يتحرك على جبهة واحدة.

ففي 20 يوليوز (يوليو/ تموز) الماضي، أعلن الحوثيون فرض حصار بحري على السفن المرتبطة بالمملكة العربية السعودية في البحر الأحمر، في خطوة وصفتها رويترز بأنها تهديد مباشر لمسارات النفط والتجارة عبر باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية في العالم.

ولم يبق التهديد في إطار البيانات.

ففي الأسابيع التالية أعلن الحوثيون استهداف سفن مرتبطة بالسعودية، بينما نقلت رويترز في 6 غشت (أغسطس/ آب) الجاري أن حركة الملاحة عبر باب المندب شهدت انخفاضاً حاداً، إذ مرّت سفينة واحدة فقط عبر المضيق في ذلك اليوم مقارنة بـ20 سفينة في اليوم السابق، بالتزامن مع تراجع كبير في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز أيضاً.

وهنا تظهر المفارقة الكبرى.

اليمن الذي كان يوماً مسرحاً لحرب محلية أصبح جزءاً من شبكة أمنية بحرية تمتد من البحر الأحمر إلى الخليج.

وهذا يعني أن المعركة اليمنية لم تعد شأناً يمنياً خالصاً.

من حصار بالحصار إلى معادلة إقليمية

يقدم الحوثيون تصعيدهم بوصفه رداً على ما يسمونه حصاراً سعودياً، ويقولون إنهم يتحركون وفق معادلة الحصار بالحصار.

لكن هذه المعادلة تحمل في داخلها خطراً استراتيجياً كبيراً.

فحين تنتقل جماعة مسلحة من استهداف خصمها المحلي إلى تهديد الملاحة الدولية والسفن المرتبطة بدولة إقليمية، فإن مساحة الرد تتسع تلقائياً. يصبح الطرف المقابل أمام ضغط داخلي للرد، وتصبح الولايات المتحدة والقوى البحرية الدولية أمام مسؤولية حماية الملاحة، وتدخل الأسواق العالمية في حسابات المواجهة.

وقد اعتبر الاتحاد الأوروبي في بيان صدر في 23 يوليوز أن تهديدات الحوثيين بفرض حصار بحري على السعودية تمثل تصعيداً خطيراً وتهديداً مباشراً للاستقرار الإقليمي، مؤكداً ضرورة عدم عرقلة الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، ومشيراً إلى استمرار مهمة أسبيدس الأوروبية لحماية حرية الملاحة.

بمعنى آخر، تحوّل البحر الأحمر من ورقة ضغط يمنية إلى ورقة أمن دولي.

وهذا بالضبط ما يجعل تكلفة أي خطأ عسكري أكبر من السابق.

السعودية أمام معادلة مختلفة

السعودية بدورها لا تنظر إلى ما يجري باعتباره مجرد اشتباك حدودي.

فبحسب رويترز، كانت الرياض تستعد لاحتمال هجمات منسقة من قوى مدعومة من إيران، تشمل الحوثيين من الجنوب وفصائل عراقية من الشمال، وسط مخاوف من استهداف منشآت الطاقة والموانئ والمطارات.

هذه المعلومات تكشف جانباً مهماً من الحساب السعودي.

فالرياض لا تستطيع تحمل تحول الأراضي اليمنية إلى منصة مستمرة لاستهداف أمنها أو منشآتها الاقتصادية أو صادراتها النفطية، ولهذا سعت السياسة السعودية للردع.

لماذا الآن؟

هذا هو السؤال الأهم.

التوقيت لا يبدو منفصلاً عن الحرب الأوسع بين الولايات المتحدة وإيران.

فمنذ اندلاع المواجهة الإقليمية، بات الحوثيون جزءاً من معادلة أوسع، وهو ما حذر منه غروندبرغ نفسه في مارس/ آذار الماضي عندما قال إن انخراط الحوثيين في الحرب الإقليمية يهدد بجر اليمن إلى مواجهة أوسع ويجعل حل الصراع الداخلي أكثر صعوبة.

وفي يوليوز، عاد المبعوث الأممي إلى التحذير من مخاطر التصعيد، مؤكداً خلال لقاءاته في مسقط ضرورة الحفاظ على الهدوء النسبي الذي تحقق منذ هدنة 2022، ودعا الأطراف إلى العودة إلى التفاوض عبر المسارات السياسية والعسكرية والاقتصادية.

لكن المشكلة أن الهدوء اليمني لم يكن سلاماً بالمعنى الكامل.

كان أقرب إلى تجميد للصراع.

وهذا فرق جوهري.

فالجبهات لم تُحل، وموازين القوة لم تُحسم، والانقسام السياسي لم ينته، والاقتصاد لم يتعافَ، ولم تتحول الهدنة إلى اتفاق سياسي نهائي.

ولهذا كان يكفي تغير البيئة الإقليمية حتى تبدأ الجبهة اليمنية في التحرك من جديد.

هل يريد الحوثيون السيطرة على مأرب؟

من المبكر القول إن الحوثيين قرروا خوض معركة شاملة للسيطرة على مأرب.

لكن من الواضح أن مأرب تظل ضمن حساباتهم الاستراتيجية.

فالسيطرة عليها، إذا تحققت، ستغير ميزان القوة بصورة هائلة، وتمنح الحوثيين موقعاً أفضل تجاه مناطق الطاقة والطرق الاستراتيجية، وتضع الحكومة اليمنية أمام خسارة سياسية وعسكرية كبيرة.

لكن السيطرة على مأرب ليست عملية سهلة.

فالمنطقة ليست مجرد مدينة يمكن اقتحامها، وإنما مساحة واسعة ذات تضاريس معقدة، وقاعدة اجتماعية وعسكرية للحكومة الشرعية، كما أن أي هجوم واسع عليها ستكون له انعكاسات إقليمية مباشرة.

ولهذا تبدو المعركة الحالية أقرب إلى اختبار قوة واستنزاف وردع متبادل منها إلى قرار نهائي بالحسم.

الحكومة اليمنية.. بين الرغبة في الحرب وحدود القدرة

في الجانب الآخر، تبدو الحكومة اليمنية أمام معضلة لا تقل تعقيداً.

فالقيادة السياسية تريد استعادة الدولة وإنهاء سيطرة الحوثيين، لكن السؤال هو: هل تملك الأدوات اللازمة لخوض حرب طويلة؟

الخبير العسكري والاستراتيجي علي الذهب، قال لـ الجزيرة نت، إنه يرى أن ظروف المواجهة الشاملة لم تكتمل بعد، خصوصاً على مستوى جاهزية القوات الحكومية والتدريب والتسليح وتماسك معسكر الشرعية.

وهذه نقطة شديدة الأهمية.

فالحرب ليست مجرد رغبة سياسية.

إنها قدرة على التمويل، والتعبئة، والإمداد، وإدارة الجبهات، وحماية المدن، وتحمل الخسائر، والأهم وجود قرار إقليمي واضح بشأن سقف المعركة.

ومن دون ذلك قد تتحول الحرب الجديدة إلى استنزاف جديد لا ينتج انتصاراً لأي طرف.

الحسابات السعودية

الحوثيون اليوم لا يهددون الحدود فقط، بل أصبحوا يستخدمون البحر الأحمر كأداة ضغط على المصالح الاقتصادية السعودية.

وقد أعلنت السعودية في نهاية يوليوز خطة لتشكيل تحالف بحري متعدد الجنسيات لحماية الملاحة والطاقة في البحر الأحمر، بعد اجتماع شاركت فيه 43 دولة والاتحاد الأوروبي، وفق رويترز. كما أعلنت 14 دولة، بينها مصر وتركيا وباكستان والسودان وجيبوتي، دعم المبادرة.

وهذا يعني أن الرياض بدأت تنقل جزءاً من المعركة من الساحة اليمنية إلى الساحة البحرية الدولية.

وهي خطوة لها دلالة سياسية وعسكرية في آن واحد.

البحر الأحمر قد يكون أخطر من الجبهة البرية

في الجبهة البرية، يستطيع طرفان أن يتقاتلا داخل مساحة محددة.

أما في البحر، فإن خطأ واحداً يمكن أن يغير حركة التجارة الدولية.

وقد أظهرت بيانات الملاحة التي نقلتها رويترز أن حركة السفن في باب المندب تراجعت بشدة في الأيام الأخيرة، بالتزامن مع التصعيد الحوثي.

وهذا يوضح أن التأثير الاقتصادي يبدأ قبل أن تقع كارثة كبرى.

مجرد ارتفاع المخاطر يؤدي إلى تغيير شركات الشحن مساراتها، وزيادة تكاليف التأمين، ورفع أجور النقل، وإعادة تسعير المخاطر في أسواق الطاقة.

وبذلك يمكن لجبهة يمنية أن تؤثر في اقتصاد عالمي بعيد عنها بآلاف الكيلومترات.

الخطر الأكبر: أن تتقاطع جبهتان

المشكلة الحقيقية ليست في اليمن وحده.

إنها في احتمال أن تتزامن الحرب اليمنية مع أزمة هرمز.

ففي السادس من غشت الجاري، أشارت رويترز إلى تراجع حركة الملاحة بشدة في مضيق هرمز وباب المندب في اليوم نفسه، في وقت تصاعدت فيه التوترات الإقليمية.

وهنا يصبح المشهد أكثر خطورة:

هرمز في الشرق، وباب المندب في الجنوب، واليمن بينهما.

إذا استمرت التوترات في الممرين، فإن المخاطر لا تعود مقتصرة على السعودية أو اليمن، وإنما تمتد إلى إمدادات الطاقة وسلاسل التوريد والتجارة العالمية.

هل انتهت هدنة 2022 فعلاً؟

ليس بالضرورة.

فالهدنة يمكن أن تكون قد تعرضت لضربة قوية، لكنها لم تتحول بعد بالضرورة إلى انهيار كامل للعملية السياسية.

الأمم المتحدة ما زالت تتمسك بمسار التفاوض، وغروندبرغ يؤكد أن هناك حاجة إلى معالجة الملف اليمني عبر مسارات سياسية واقتصادية وأمنية متوازية.

لكن ما تغير هو أن كلفة الحفاظ على الهدنة ارتفعت.

وفي السابق كان يمكن للأطراف أن تتحمل حالة لا حرب ولا سلام.

أما الآن، فقد أصبحت الحرب الإقليمية تضغط على هذا التوازن من الخارج.

إيران لديها حساباتها.

السعودية لديها أمنها القومي.

الحوثيون يريدون تثبيت موقعهم الإقليمي والمحلي.

الحكومة اليمنية الشرعية تريد استعادة المبادرة.

والولايات المتحدة تريد حماية المصالح البحرية والأمنية.

وفي المنتصف يقف اليمني العادي، وهو الطرف الوحيد الذي لا يملك قرار إشعال الحرب ولا قرار إطفائها.

ثلاثة سيناريوهات للمرحلة المقبلة

السيناريو الأول: احتواء التصعيد

وهو السيناريو الأفضل، لكنه يحتاج إلى ضغط إقليمي حقيقي على الأطراف، خصوصاً مع استمرار التواصل الأممي والعُماني.

وفي هذه الحالة يمكن أن تتحول الهجمات الأخيرة إلى جولة ضغط تنتهي بتفاهم جديد يمنع الانفجار.

السيناريو الثاني: حرب محدودة طويلة

وهذا ربما يكون السيناريو الأكثر واقعية إذا استمر الوضع الحالي.

هجمات حوثية، وردود حكومية، وتصعيد بحري متقطع، من دون أن يقرر أي طرف خوض الحرب الشاملة.

لكن هذا السيناريو يحمل خطراً كبيراً، لأن الحروب المحدودة قد تتحول إلى حرب واسعة بسبب خطأ واحد.

السيناريو الثالث: الانفجار الكبير

وهو السيناريو الذي تحذر منه الأمم المتحدة.

قد يبدأ بهجوم كبير على منشأة استراتيجية أو سفينة، ثم يأتي رد واسع، ثم تتسع الجبهة، فتدخل السعودية مباشرة بقوة أكبر لحماية أمنها، ويتحول الحوثيون إلى استهداف أوسع للمصالح السعودية، وتجد الولايات المتحدة نفسها مضطرة إلى التدخل لحماية الملاحة.

عندها لن يكون السؤال: هل انتهت هدنة 2022؟

بل سيكون: هل عاد اليمن إلى الحرب التي لم تنتهِ أصلاً؟

اليمن يقف فوق هدنة هشة

ما يجري الآن ليس مجرد عودة عابرة للقتال.

إنه اختبار لمعادلة تشكلت خلال السنوات الأربع الماضية: هل يمكن لليمن أن يبقى خارج الحروب الإقليمية بينما تتغير خرائط القوة من حوله؟

المؤشرات الحالية لا تمنح إجابة مطمئنة.

فالولايات المتحدة تراقب.

والسعودية تعيد ترتيب دفاعاتها لحماية أمنها ومصالحها.

والحوثيون يوسعون أوراق الضغط من البر إلى البحر.

والحكومة اليمنية ترفع الجاهزية.

والأمم المتحدة تحذر من العودة إلى الحرب.

أما البحر الأحمر، الذي كان في السابق مجرد ممر تجاري، فقد تحول إلى جزء من معركة النفوذ والأمن الإقليمي.

ولهذا فإن المعركة القادمة في اليمن، إن وقعت، لن تكون مجرد حرب على مأرب أو حضرموت.

ستكون معركة على السؤال الأكبر: هل يبقى اليمن دولة معلقة بين الحرب والسلام، أم يتحول مرة أخرى إلى إحدى ساحات الحرب الإقليمية المفتوحة؟

والأخطر أن الإجابة هذه المرة قد لا تكون في صنعاء أو مأرب وحدهما، بل في الرياض ومسقط وطهران وواشنطن، وحتى في الممرات البحرية التي تمر عبر باب المندب.

فاليمن، بعد أربع سنوات من الهدوء النسبي، يكتشف من جديد أن الحرب لا تحتاج دائماً إلى إعلان رسمي كي تبدأ؛ أحياناً يكفي أن تتراكم الحسابات الخاطئة، ثم يأتي الصاروخ الأول ليكتب بقية القصة.

مصطفى الكردي
مصطفى الكردي
محرر شؤون سياسية واقتصادية - مدير مكتب مجلة الدبلوماسية المغربية بالقاهرة
spot_imgspot_imgspot_imgspot_img