ذات صلة

أحدث المقالات

اليمن أمام معركة باب المندب: هل تستطيع القوات الحكومية عكس التقدم الحوثي؟

تشهد الساحة اليمنية واحدة من أكثر مراحل الحرب حساسية...

التصعيد الروسي الأوروبي في البلطيق وأوكرانيا: اختبار الحدود وخطر سوء التقدير

شهدت الجبهة الأمنية بين روسيا وأوروبا خلال الأيام الأخيرة...

الفييتنام تحتفي بعيدها الوطني و65 عاماً من الصداقة مع المغرب

استضاف المسرح الوطني محمد الخامس بالرباط، يوم الاثنين 14...

اليمن أمام معركة باب المندب: هل تستطيع القوات الحكومية عكس التقدم الحوثي؟

تشهد الساحة اليمنية واحدة من أكثر مراحل الحرب حساسية منذ الهدنة التي دخلت حيز التنفيذ عام 2022، بعدما تحولت المواجهات مجدداً من اشتباكات متفرقة إلى معركة على الجغرافيا الاستراتيجية للساحل الغربي ومداخل البحر الأحمر. وفي الساعات الأخيرة، تركزت المعارك حول مرتفعات كهبوب والوازعية غرب تعز وجنوبها، بالتزامن مع غارات جوية استهدفت مواقع وآليات حوثية، فيما تقول القوات الحكومية إنها أحبطت محاولات تقدم للجماعة وسعت إلى منعها من تثبيت مواقع جديدة في المناطق المشرفة على باب المندب.

لكن قراءة المشهد لا يمكن أن تتوقف عند البيانات العسكرية اليومية. فالتطور الأهم خلال شتنبر (سبتمبر/ أيلول) الجاري يتمثل في أن جماعة الحوثي حققت تقدماً واسعاً على الساحل الغربي، شمل مدينة المخا ومناطق وجزر قريبة من باب المندب، وهو ما أعاد وضع المضيق في قلب الصراع اليمني والإقليمي والدولي. وأفادت وكالة «رويترز» بأن التقدم الحوثي الأخير أدى إلى نزوح أكثر من 112 ألف شخص داخل اليمن، إضافة إلى فرار آلاف آخرين بحراً إلى جيبوتي، في وقت اتسعت فيه المواجهات على ساحل البحر الأحمر وتعز.

كهبوب والوازعية.. معركة المرتفعات قبل أن تكون معركة المدن

تكتسب جبهتا كهبوب والوازعية أهمية تتجاوز مساحتهما الجغرافية المحدودة، لأن السيطرة على المرتفعات تمنح الطرف المسيطر قدرة أكبر على مراقبة طرق الحركة والإمداد، وتوفير عمق بري للمواقع الموجودة بالقرب من باب المندب والساحل الغربي.

وقالت صحيفة «الشرق الأوسط» إن القوات الحكومية تواصل التصدي لمحاولات حوثية للسيطرة على المرتفعات الواقعة شرق باب المندب وغرب تعز، مشيرة إلى أن الجماعة تسعى إلى انتزاع مواقع جبلية تمنحها عمقاً برياً وتحصّن خطوط الحركة والإمداد. كما تحدثت تقارير عسكرية يمنية عن معارك وغارات طالت مواقع وتعزيزات حوثية في الوازعية وكهبوب والمخا ومناطق أخرى في تعز ولحج.

وأكد مصدر حكومي تحدث إلى «عرب نيوز» أن الحوثيين شنوا هجمات مكثفة على مواقع القوات الحكومية في كهبوب، لكنه قال إن الجماعة لم تتمكن حتى الآن من تحقيق تقدم في تلك المواقع. ويشير ذلك إلى أن المعركة الحالية ليست مجرد محاولة لتوسيع السيطرة الحوثية، بل محاولة من القوات الحكومية لوقف تثبيت المكاسب التي حققتها الجماعة خلال الهجوم الأخير على الساحل.

وهنا تظهر أهمية المرتفعات: فالحوثيون، بعد تحقيق تقدم ساحلي كبير، يحتاجون إلى بناء شبكة دفاعية متماسكة تحمي المناطق الساحلية من الهجمات المضادة. أما القوات الحكومية، فتحتاج إلى السيطرة على النقاط المرتفعة المحيطة بالساحل حتى لا يتحول التقدم الحوثي إلى واقع عسكري يصعب تغييره لاحقاً.

المخا وباب المندب.. نقطة التحول الأساسية

لا يمكن فهم معارك كهبوب والوازعية بمعزل عن التحول الذي وقع في المخا والساحل الغربي خلال شهر شتنبر الجاري. فقد أكدت وكالة «أسوشيتد برس» أن الحوثيين سيطروا على مدينة المخا الاستراتيجية وعلى جزيرة بالقرب من مضيق باب المندب، وهو تطور دفع الحكومة اليمنية إلى الإعلان عن تعزيزات ومحاولات لاستعادة المواقع التي خسرتها.

أما صحيفة «لوموند» الفرنسية، فاعتبرت السيطرة الحوثية على المخا تحولاً كبيراً، مشيرة إلى أن المدينة تقع على مسافة تقارب 80 كيلومتراً من باب المندب، وأنها تمثل نقطة استراتيجية قبل المضيق الذي يربط البحر الأحمر بالمحيط الهندي عبر خليج عدن.

وبعد أيام، ذهبت «لوموند» إلى أن الحوثيين تمكنوا من توسيع سيطرتهم على الساحل المطل على البحر الأحمر حتى باب المندب، وهو ما رفع القيمة الاستراتيجية للتقدم الحوثي من مجرد مكسب في الحرب الداخلية إلى ورقة ضغط إقليمية مرتبطة بأمن الملاحة والتجارة العالمية.

وهذا يعني أن معركة كهبوب والوازعية تحمل وظيفة مزدوجة بالنسبة إلى القوات الحكومية: الأولى وقف التمدد الحوثي نحو المناطق الجبلية المحيطة بالمضيق، والثانية منع الجماعة من تحويل السيطرة الساحلية إلى منظومة دفاعية متكاملة يصعب اختراقها.

لماذا يريد الحوثيون تثبيت مواقعهم حول المضيق؟

من منظور عسكري، لا يكفي أن تسيطر جماعة مسلحة على مدينة ساحلية أو جزيرة لكي تصبح قادرة على التحكم الكامل في ممر ملاحي دولي. السيطرة الفعلية على المجال البحري تحتاج إلى منظومة من المواقع البرية، والاستطلاع، والصواريخ والطائرات المسيّرة، ووسائل الحرب الإلكترونية، وقدرة على الإمداد وحماية منصات الإطلاق.

ولهذا تبدو المرتفعات المحيطة بالساحل ذات أهمية خاصة. فكلما نجح الحوثيون في توسيع نطاق السيطرة من الشريط الساحلي إلى المرتفعات الداخلية، زادت قدرتهم على حماية خطوط الإمداد ومنع القوات الحكومية من شن هجمات مباشرة على المواقع الساحلية.

وتشير تحليلات «لوموند» إلى أن الحوثيين يحاولون أيضاً تحويل السيطرة على باب المندب إلى ورقة سياسية، عبر تقديم أنفسهم بوصفهم طرفاً لا يمكن تجاهله في ترتيبات الأمن البحري في البحر الأحمر، وليس مجرد جماعة مسلحة داخل الحرب اليمنية.

وهذا التطور مهم لأنه ينقل الصراع من سؤال «من يسيطر على الأرض؟» إلى سؤال أوسع: «من يملك القدرة على التأثير في حركة الملاحة الإقليمية؟».

القوات الحكومية تحاول تحويل الدفاع إلى هجوم مضاد

في المقابل، تحاول القيادة اليمنية منع الانهيار العسكري الأخير من التحول إلى أمر واقع دائم. وقال رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي إن الدولة والقوات المسلحة قادرتان على استعادة زمام المبادرة في الساحل الغربي، مؤكداً استمرار العمليات في تعز ومأرب ولحج والجوف وحجة والبيضاء والضالع، بالتزامن مع إعادة تموضع القوات وتعزيز قدراتها.

وتكتسب تصريحات العليمي أهمية سياسية وعسكرية في الوقت نفسه، لأنها تعكس محاولة لإعادة بناء الثقة داخل المعسكر المناهض للحوثيين بعد الانتكاسات السريعة التي شهدها الساحل الغربي.

لكن تحويل هذه التصريحات إلى نتائج ميدانية يحتاج إلى أكثر من إعادة نشر القوات. فالمشكلة الأساسية التي كشفتها التطورات الأخيرة هي تعدد القوى والفصائل المناهضة للحوثيين، واختلاف أولوياتها العسكرية والسياسية، وهو ما يمكن أن يضعف القدرة على شن عمليات واسعة ومنسقة.

وفي هذا السياق، نقلت صحيفة «الغارديان» أن القوات المناهضة للحوثيين بدأت تحقيقاً في الانهيار العسكري الأخير، وسط حديث عن انسحاب أكثر من 15 لواءً ونحو 30 ألف مقاتل خلال الهجوم، بينما قالت قوى مناهضة للحوثيين إن الانسحاب كان تكتيكياً لتجنب الحصار. وتبقى الاتهامات المتعلقة بالفساد أو الخيانة غير محسومة، لكنها تكشف حجم الأزمة داخل المعسكر الحكومي.

أسبيدس الأوروبية تدخل مرحلة التأهب

الجانب الأوروبي بدأ يتعامل مع التطورات باعتبارها تهديداً مباشراً لأمن الملاحة، وليس مجرد فصل جديد من الحرب اليمنية.

وقالت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس إن مهمة «أسبيدس» البحرية رفعت مستوى تأهب سفنها بعد تدهور الوضع في المنطقة، وأكدت أن الاتحاد الأوروبي يساعد في حماية الملاحة في البحر الأحمر من هجمات الحوثيين. ونقلت «رويترز» أن التصعيد الحوثي أصبح يثير مخاوف متزايدة حول أمن الملاحة في البحر الأحمر، بالتزامن مع الدعوات إلى تعزيز الحضور البحري.

وفي السياق نفسه، دعا وزير الدفاع الإيطالي غويدو كروسيتو إلى زيادة الوجود البحري في البحر الأحمر، وقال إن باب المندب يتعرض لضغوط متزايدة بسبب التقدم الحوثي على الساحل. وأشارت «رويترز» إلى أن إيطاليا، المشاركة في مهمة أسبيدس، تستعد أيضاً لمهمة بحرية مستقلة، في مؤشر على أن بعض الدول الأوروبية قد تتجه إلى تعزيز قدراتها بصورة مباشرة إذا لم يكن الإطار الأوروبي المشترك سريعاً بما يكفي.

وتكشف هذه التطورات أن أمن باب المندب بدأ يتعامل معه الأوروبيون باعتباره جزءاً من أمن سلاسل الإمداد والطاقة، وليس فقط مسألة مرتبطة بحماية السفن من الهجمات.

الخطر الأكبر: تحويل باب المندب إلى ورقة تفاوض إقليمية

التحليل الأوسع يشير إلى أن الهدف الحوثي المحتمل لا يقتصر على السيطرة العسكرية. فامتلاك موقع مؤثر على واحد من أهم الممرات البحرية في العالم يمنح الجماعة ورقة تفاوضية يمكن استخدامها في ملفات تتجاوز اليمن.

وقد رأت «لوموند» أن الحوثيين يسعون إلى تحويل السيطرة على باب المندب إلى مصدر للشرعية والنفوذ السياسي، عبر إظهار أنفسهم كطرف أساسي في ترتيبات أمن الملاحة بالبحر الأحمر.

ومن جهة أخرى، ترى تحليلات فرنسية أن نجاح الحوثيين في الوصول إلى المضيق يعزز موقع إيران في الصراع الإقليمي، خصوصاً في ظل التوتر حول مضيق هرمز. ووفق «لوموند»، فإن سيطرة الحوثيين على باب المندب جاءت في وقت أصبحت فيه السيطرة على الممرات البحرية الاستراتيجية جزءاً من الصراع الأوسع بين إيران والولايات المتحدة.

وهنا يصبح اليمن جزءاً من معادلة إقليمية أكبر: هرمز من الشرق وباب المندب من الغرب، وبينهما شبكة من طرق الطاقة والتجارة التي تربط الخليج وآسيا وأوروبا.

العامل الإنساني يفرض نفسه بقوة

في ظل هذا التصعيد، لا يمكن فصل الحسابات العسكرية عن التكلفة الإنسانية. فقد أفادت «رويترز» بأن أكثر من 112 ألف شخص نزحوا داخل اليمن خلال موجة القتال الأخيرة، فيما فر قرابة 3 آلاف شخص بحراً إلى جيبوتي.

كما أشارت تقارير أممية نقلتها «الغارديان» إلى أن أعداد النازحين منذ بداية شتنبر الجاري وصلت إلى نحو 125 ألف شخص، مع تركز كبير للنزوح في تعز والمناطق الساحلية المتأثرة بالقتال.

وتعني هذه الأرقام أن أي عملية عسكرية واسعة لاستعادة الساحل ستأتي وسط بيئة سكانية هشة للغاية، ما يرفع مخاطر سقوط ضحايا مدنيين وتدمير البنية التحتية وتعقيد عمليات الإغاثة.

تقدير الموقف: هل تستطيع الحكومة عكس المسار؟

المعطيات الحالية تشير إلى أن القوات الحكومية قادرة على إبطاء التقدم الحوثي وشن هجمات مضادة محدودة، وهو ما يظهر في كهبوب والوازعية وبعض جبهات تعز، لكن الانتقال من «إيقاف التقدم» إلى «عكس المسار» يحتاج إلى شروط أكثر تعقيداً.

أول هذه الشروط هو توحيد القيادة العسكرية للفصائل المناهضة للحوثيين، لأن استعادة الساحل لا يمكن أن تعتمد على تحركات منفصلة. وثانيها تأمين خطوط الإمداد، خصوصاً في المناطق الجبلية المحيطة بتعز ولحج. وثالثها وجود غطاء جوي واستطلاعي مستمر يسمح للقوات الحكومية باستهداف التعزيزات قبل وصولها إلى خطوط المواجهة.

أما الشرط الرابع فهو سياسي بقدر ما هو عسكري: الحفاظ على مستوى من التنسيق السعودي مع مختلف القوى اليمنية المناهضة للحوثيين. فالتجربة الأخيرة أظهرت أن التباينات داخل المعسكر الحكومي يمكن أن تتحول في لحظة إلى عامل حاسم في ميدان القتال.

وفي المقابل، لا ينبغي افتراض أن التقدم الحوثي يعني حسم الحرب نهائياً لصالح الجماعة. فالسيطرة على الساحل تفرض على الحوثيين أيضاً مسؤوليات عسكرية جديدة، إذ بات عليهم حماية مساحة جغرافية أطول، وتأمين طرق الإمداد، ومواجهة ضربات جوية وبحرية محتملة، وإدارة مناطق سكانية جديدة في وقت تتزايد فيه الضغوط الاقتصادية والإنسانية.

السيناريوهات المقبلة

السيناريو الأول يتمثل في تثبيت الحوثيين لمكاسبهم الساحلية ومحاولة تحويل باب المندب إلى ورقة تفاوضية، مع الإبقاء على مستوى محسوب من الضغط على الملاحة الدولية.

السيناريو الثاني هو تحول كهبوب والوازعية وتعز إلى نقطة انطلاق لهجوم حكومي مضاد أوسع، خصوصاً إذا نجحت القيادة اليمنية في إعادة تنظيم القوات وتوحيد خطوط القيادة والدعم.

أما السيناريو الثالث، وهو الأكثر خطورة إقليمياً، فيتمثل في اتساع الصراع البحري بالتوازي مع المعارك البرية، بما يدفع الاتحاد الأوروبي ودولاً أخرى إلى زيادة انتشارها العسكري في البحر الأحمر، ويجعل أي هجوم على سفينة تجارية أو قطعة بحرية عاملاً يمكن أن يسرّع تدويل المواجهة.

صراع على مستقبل باب المندب

المعركة حول كهبوب والوازعية ليست مجرد مواجهة جديدة في الحرب اليمنية، بل جزء من صراع أوسع على شكل السيطرة في جنوب غرب اليمن وعلى مستقبل باب المندب.

وتحاول القوات الحكومية منع الحوثيين من تحويل المكاسب الساحلية الأخيرة إلى منظومة دفاعية متماسكة، بينما تسعى الجماعة إلى تثبيت وجودها في المخا والمناطق والجزر القريبة من المضيق، وتوظيف الموقع الجغرافي الجديد في معادلة سياسية وإقليمية أوسع.

وفي المقابل، بدأ العامل الدولي يظهر بصورة أكثر وضوحاً، مع رفع أسبيدس الأوروبية مستوى التأهب ودعوات إيطالية إلى زيادة الوجود البحري. وبذلك، فإن مستقبل المعركة لن يتحدد فقط في جبال كهبوب والوازعية، وإنما أيضاً في قدرة الأطراف على التحكم في العلاقة بين الجبهة البرية وأمن الملاحة.

والخطر الأكثر وضوحاً في المرحلة المقبلة هو أن تتحول السيطرة على باب المندب من ورقة في الحرب اليمنية إلى أداة في الصراع الإقليمي، بحيث يصبح أي تصعيد بري أو بحري قادراً على التأثير في الطاقة والتجارة الدولية معاً.

مصطفى الكردي
مصطفى الكردي
محرر شؤون سياسية واقتصادية - مدير مكتب مجلة الدبلوماسية المغربية بالقاهرة
spot_imgspot_imgspot_imgspot_img