ذات صلة

أحدث المقالات

التصعيد الروسي الأوروبي في البلطيق وأوكرانيا: اختبار الحدود وخطر سوء التقدير

شهدت الجبهة الأمنية بين روسيا وأوروبا خلال الأيام الأخيرة...

الفييتنام تحتفي بعيدها الوطني و65 عاماً من الصداقة مع المغرب

استضاف المسرح الوطني محمد الخامس بالرباط، يوم الاثنين 14...

التصعيد الروسي الأوروبي في البلطيق وأوكرانيا: اختبار الحدود وخطر سوء التقدير

شهدت الجبهة الأمنية بين روسيا وأوروبا خلال الأيام الأخيرة سلسلة من الحوادث المتزامنة في بحر البلطيق ودول البلطيق وعلى الحدود الأوكرانية-البولندية، أعادت إلى الواجهة سؤالاً أكثر حساسية من مجرد استمرار الحرب في أوكرانيا: إلى أي مدى يمكن أن تقترب العمليات الروسية والأوكرانية من أراضي حلف شمال الأطلسي قبل أن يتحول الاحتكاك العرضي إلى أزمة مباشرة بين موسكو والحلف؟.

خلال فترة قصيرة، أعلنت الدنمارك أن فرقاطة روسية أطلقت قنبلتين مضيئتين باتجاه مروحية عسكرية دنماركية كانت تنفذ مهمة تصوير قرب السفينة الروسية في المياه الدولية، بينما أسقطت مقاتلات إيطالية تعمل ضمن مهمة الدفاع الجوي لحلف الناتو طائرة مسيّرة دخلت المجال الجوي الليتواني، وقالت السلطات الليتوانية إن الطائرة كانت تحمل عبوة متفجرة. وفي الوقت نفسه، تعرض قطار ركاب قرب الحدود الأوكرانية-البولندية لهجوم بمسيّرة روسية بعد مرور قطار كان يقل مسؤولين وشخصيات سياسية أوروبية، بينهم رئيس الوزراء البريطاني السابق بوريس جونسون ورئيس الوزراء السويدي السابق كارل بيلت.

هذه الوقائع لا تعني أن روسيا وحلف الناتو دخلا بالفعل في مواجهة عسكرية مباشرة، لكنها ترفع مستوى المخاطر المرتبطة بسوء التقدير، خصوصاً في منطقة البلطيق التي أصبحت واحدة من أكثر المساحات حساسية في الأمن الأوروبي منذ اندلاع الحرب الروسية الشاملة على أوكرانيا عام 2022.

البلطيق يتحول إلى مساحة اختبار للأعصاب

كان حادث المروحية الدنماركية أحد أبرز مؤشرات التوتر المتصاعد. فقد قالت القوات المسلحة الدنماركية إن فرقاطة روسية أطلقت قنبلتين مضيئتين باتجاه مروحية من طراز Fennec أثناء قيامها بمهمة تصوير روتينية للفرقاطة الروسية في المياه الدولية قبالة جنوب الدنمارك، وإن إحدى القنبلتين مرت على مسافة قريبة من المروحية.

ووصفت كوبنهاغن الحادث بأنه غير مقبول وخطير، واستدعت السفير الروسي لتوضيح ملابساته. وقال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن إن روسيا تدفع تدريجياً الحدود المتعلقة بما تعتبره سلوكاً مقبولاً، بينما قالت موسكو إن المروحية الدنماركية قامت بمناورات استفزازية قرب السفينة الروسية.

ويكتسب الحادث أهمية إضافية بسبب طبيعة المكان. فالمضائق الدنماركية تمثل أحد المداخل الرئيسية إلى بحر البلطيق، ما يجعل أي احتكاك بين سفن روسية وطائرات أو سفن تابعة لدول الناتو ذا حساسية عسكرية تتجاوز حجم الحادث نفسه.

لكن القراءة الأكثر حذراً تقتضي عدم القفز من حادثة إطلاق القنابل المضيئة إلى استنتاج وجود قرار روسي بالتصعيد العسكري ضد الدنمارك. فالوقائع المتاحة تثبت وقوع الاحتكاك وتبادل الروايات، لكنها لا تثبت وحدها نية موسكو في فتح مواجهة مباشرة مع دولة عضو في الحلف.

ليتوانيا: لحظة أكثر حساسية بالنسبة للناتو

الحادث الأكثر أهمية عسكرياً وقع في ليتوانيا، عندما أقلعت مقاتلتان إيطاليتان من طراز «يوروفايتر» ضمن مهمة الدفاع الجوي للناتو لاعتراض مسيّرة دخلت المجال الجوي الليتواني وأسقطتاها قرب قرية براتكوناي في جنوب البلاد.

وقال حلف الناتو إن مركز العمليات الجوية المشتركة في ألمانيا نسق عملية الاعتراض، فيما أكدت السلطات الليتوانية استمرار التحقيق في مصدر الطائرة. وأشارت معلومات أولية إلى أنها دخلت على الأرجح من اتجاه بيلاروسيا، الحليف الوثيق لموسكو.

وفي البداية بقي مصدر المسيّرة غير محسوم بشكل كامل. لكن وزير الدفاع الليتواني روبرتاس كاوناس أعلن أن الطائرة كانت تحمل متفجرات، وأن فرق مختصة قامت بإبطال مفعول العبوة. كما قالت مصادر إيطالية إن المسيّرة يُشتبه في كونها روسية الصنع، في حين ذكرت تقارير لاحقة أن الرئيس الليتواني غيتاناس ناوسيدا اعتبرها من طراز تستخدمه روسيا، ورجّح أنها كانت متجهة إلى أوكرانيا وانحرفت عن مسارها.

وهنا تكمن أهمية الحادث: المسيّرة دخلت فعلياً المجال الجوي لدولة عضو في الناتو، واضطرت مقاتلات الحلف إلى استخدام القوة لإسقاطها. وهذا يختلف من الناحية العملياتية عن مجرد رصد جسم مجهول أو تحذير من اختراق محتمل.

مع ذلك، فإن إسقاط المسيّرة لا يعني تلقائياً تفعيل المادة الخامسة من معاهدة الناتو، لأن المادة الخامسة ترتبط بوقوع هجوم مسلح على عضو في الحلف، وتقييم كل حادثة يتم وفق ظروفها وطبيعتها. لذلك فإن المستوى الحالي أقرب إلى اختبار لقدرات الدفاع الجوي وقواعد الاشتباك منه إلى انتقال تلقائي نحو حرب بين روسيا والناتو.

لماذا يمثل الحادث الليتواني نقطة تحول؟

منذ اندلاع الحرب، دخلت طائرات مسيّرة مرتبطة بالحرب الأوكرانية أجواء دول مجاورة في مناسبات عدة. وقد أسقطت طائرات تابعة لمهمة الناتو مسيّرات أوكرانية شاردة فوق دول البلطيق في حوادث سابقة.

لكن الجديد في حادث ليتوانيا هو الجمع بين ثلاثة عناصر: دخول جسم مسيّر المجال الجوي لدولة عضو في الناتو، وجود متفجرات على متن المسيّرة بحسب السلطات الليتوانية، ثم استخدام مقاتلة تابعة للحلف القوة لإسقاطها. ولذلك فإن الحادث يختبر عملياً سرعة الاستجابة ودرجة التنسيق بين الدفاعات الجوية الأوروبية.

وقد شدد وزير الدفاع الليتواني خلال لقائه وزير الدفاع الإيطالي على أن أداء الطائرات الإيطالية يمثل رسالة على قوة وحدة الحلف، فيما ركز الجانب الإيطالي على ضرورة تعزيز الدفاع الجوي وحماية البنية التحتية الحيوية.

قطار بوريس جونسون وكارل بيلت: بين الاستهداف المحتمل والوقائع المثبتة

في 13 شتنبر (سبتمبر/ أيلول) الجاري، أصابت مسيّرة روسية قطار ركاب قرب محطة ياهودين على الحدود الأوكرانية – البولندية. وجاء الهجوم بعد وقت قصير من مرور قطار دبلوماسي كان يقل شخصيات أوروبية، بينهم بوريس جونسون وكارل بيلت ومستشارون أمنيون أوروبيون.

وقالت شركة السكك الحديدية الأوكرانية إن من «المرجح جداً» أن يكون القطار الدبلوماسي هو الهدف المقصود، بعدما غادر المحطة قبل الموعد المقرر نتيجة تعديلات أمنية فورية على جدول الرحلات. لكن هذه النقطة تحديداً تبقى تقديراً أوكرانياً، وليست نتيجة تحقيق مستقل منشور يثبت بصورة قاطعة أن الشخصيات الأوروبية كانت الهدف المباشر.

وتؤكد وكالة أسوشيتد برس أن القطار الذي كان يقل جونسون وبيلت غادر المحطة قبل الموعد، بينما أصابت المسيّرة قطاراً آخر بعد ذلك. كما كان المدير السابق لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية ديفيد بتريوس في قطار آخر كان موجوداً في المحطة وقت الهجوم، ولم ترد تقارير عن سقوط ضحايا بين الركاب.

وتكمن أهمية الحادث، بصرف النظر عن هوية الهدف، في موقعه الجغرافي. فالهجوم وقع على مسافة قريبة جداً من الحدود البولندية، أي بالقرب من أراضي دولة عضو في الاتحاد الأوروبي والناتو. ولذلك اعتبر مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس أن الهجمات القريبة من الحدود البولندية تحمل بعداً ردعياً ونفسياً يستهدف الدول الغربية الداعمة لأوكرانيا.

موسكو ترفع مستوى الرسالة الدبلوماسية

بعد حادث القطار، اتخذ الخطاب الروسي منحى أكثر وضوحاً. فقد دعت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا السياسيين والدبلوماسيين الغربيين إلى «التقييم الجاد» لمخاطر السفر إلى أوكرانيا.

وبحسب ما نقلته وسائل إعلام روسية وعربية عن تصريحات زاخاروفا، قالت إن السكك الحديدية والبنية التحتية للنقل التي تخدم الجيش الأوكراني تمثل أهدافاً مشروعة من وجهة نظر موسكو، وإن روسيا سبق أن حذرت دبلوماسيين أجانب في ماي (مايو/أيار) الماضي من مخاطر البقاء في كييف بسبب الضربات على المجمع الصناعي العسكري الأوكراني.

وتكشف الرسالة الروسية عن مسارين في وقت واحد: الأول عسكري، يتمثل في تأكيد استمرار استهداف البنية التحتية التي تعتبرها موسكو مرتبطة بالجهد الحربي الأوكراني؛ والثاني سياسي، يتمثل في إيصال رسالة إلى الحكومات الغربية بأن وجود مسؤوليها في أوكرانيا لا يمنحهم حصانة من مخاطر الحرب.

وفي المقابل، يفسر المسؤولون الأوروبيون هذه الرسائل باعتبارها محاولة للضغط على العواصم الغربية وتقليص مستوى الدعم السياسي لأوكرانيا.

من حادث منفصل إلى نمط أمني أوسع

المشكلة الرئيسية أمام أوروبا ليست حادثاً واحداً، وإنما تراكم حوادث مختلفة في فترة زمنية قصيرة: مسيّرات في أجواء دول البلطيق، احتكاكات بحرية، مخاوف من أعمال تخريب، هجمات قرب الحدود البولندية، وتحذيرات متبادلة بشأن البنية التحتية الحيوية.

وقد عبّرت المفوضية الأوروبية عن هذا القلق بصورة رسمية. ففي 15 شتنبر الجاري، قالت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس أمام البرلمان الأوروبي إن أوروبا شهدت خلال 48 ساعة «سلوكاً روسياً متهوراً» تمثل، وفق عرضها، في إطلاق سفينة روسية قنابل مضيئة باتجاه مروحية دنماركية واضطرار مقاتلات الناتو إلى إسقاط مسيّرة فوق ليتوانيا.

وفي اليوم التالي، تحدثت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين عن حوادث في الدنمارك وليتوانيا وبولندا، وربطتها بما وصفته بزيادة التهديدات على الأراضي الأوروبية. وأعلنت المفوضية الحاجة إلى «بروتوكول أمني للطوارئ» وآلية أوروبية لتنسيق الاستجابة للتهديدات الهجينة.

هذا التحول مهم؛ لأنه يعني أن أوروبا بدأت تنظر إلى بعض الحوادث ليس باعتبارها أحداثاً أمنية منفردة، وإنما ضمن ملف أوسع يتعلق بالحرب الهجينة، وحماية الحدود والبنية التحتية الحيوية، ومواجهة عمليات التأثير والتخريب.

روسيا والدنمارك وليتوانيا: روايتان متعارضتان

من الضروري في أي تقدير للموقف الفصل بين الروايات السياسية والأدلة العملياتية.

الدنمارك تقول إن المروحية كانت تنفذ مهمة تصوير روتينية وإن إطلاق القنابل المضيئة من الفرقاطة الروسية كان عملاً غير مقبول. بينما موسكو تقول إن المروحية نفذت مناورات استفزازية قرب سفينة روسية.

وفي ليتوانيا، تشير المعطيات إلى أن المسيّرة دخلت المجال الجوي من اتجاه بيلاروسيا وأنها كانت تحمل متفجرات، فيما بقيت بعض التفاصيل المتعلقة بمصدرها النهائي وطبيعة مهمتها قيد التحقيق قبل أن تظهر مؤشرات أقوى على ارتباطها بروسيا.

أما في حادث القطار، فتوجد حقيقة مؤكدة تتمثل في إصابة قطار ركاب بمسيّرة قرب الحدود البولندية بعد مرور قطار دبلوماسي بوقت قصير، لكن فرضية أن القطار الدبلوماسي كان الهدف المباشر تستند أساساً إلى تقييم شركة السكك الحديدية الأوكرانية، ولم تُحسم علناً بصورة مستقلة.

هذا التفريق ضروري لأن تحويل كل حادثة إلى دليل قاطع على نية استراتيجية قد يؤدي إلى قراءة مبالغ فيها للمشهد.

تقدير الموقف: ماذا تريد موسكو وماذا يريد الناتو؟

من الصعب الجزم بدوافع موسكو النهائية من خلال هذه الحوادث وحدها، لكن يمكن رصد عدة وظائف محتملة للضغط الروسي.

أولاً، إظهار أن العمق الأوروبي ليس بعيداً عن تأثير الحرب. استهداف البنية التحتية الأوكرانية بالقرب من الحدود الأوروبية، والاقتراب من المجال الجوي لدول الناتو، يرفع تكلفة استمرار الدعم الغربي لأوكرانيا.

ثانياً، اختبار سرعة الاستجابة الأوروبية. حادث المسيّرة في ليتوانيا أظهر أن الناتو قادر على اعتراض جسم جوي داخل أجواء عضو في الحلف، لكنه في الوقت نفسه يكشف الحاجة إلى تحسين منظومات الرصد والتمييز بين المسيّرات الروسية والأوكرانية والمسيّرات التي تنحرف بسبب التشويش الإلكتروني.

ثالثاً، الضغط النفسي والسياسي. تصريحات زاخاروفا بشأن مخاطر السفر إلى أوكرانيا تحمل رسالة واضحة إلى السياسيين الأوروبيين، حتى لو لم تؤدِّ بالضرورة إلى تغيير سياسات حكوماتهم.

في المقابل، يبدو أن استجابة الناتو والاتحاد الأوروبي تركز حالياً على الردع ورفع الجاهزية دون الانتقال إلى مواجهة مباشرة. إسقاط المسيّرة في ليتوانيا كان استجابة دفاعية داخل المجال الجوي للحلف، بينما جاءت الإجراءات الأوروبية الجديدة في إطار حماية الحدود والبنية التحتية وتنسيق الاستجابة للتهديدات الهجينة.

السيناريوهات المحتملة خلال المرحلة المقبلة

السيناريو الأول: استمرار «التصعيد الرمادي»

هذا هو السيناريو الذي تبدو مؤشرات عدة متوافقة معه: استمرار المسيّرات، حوادث جوية وبحرية محدودة، محاولات تخريب أو تشويش إلكتروني، واحتكاكات لا تصل إلى إطلاق نار متعمد بين القوات الروسية وقوات الناتو.

ميزة هذا السيناريو بالنسبة لجميع الأطراف أنه يسمح بالضغط المتبادل دون دفع الأزمة إلى نقطة يصعب التراجع عنها.

السيناريو الثاني: حادث أكبر يفرض استجابة عسكرية

الخطر الحقيقي يتمثل في سقوط قتلى من عسكريي الناتو نتيجة حادث جوي أو بحري، أو إصابة بنية تحتية داخل دولة عضو بصورة واضحة، أو سقوط صاروخ أو مسيّرة في منطقة مأهولة.

في هذه الحالة قد ترتفع الضغوط السياسية على الحكومات الأوروبية لاتخاذ إجراءات عسكرية أقوى، حتى إذا لم يصل الأمر قانونياً إلى اعتبار الحادث «هجوماً مسلحاً» يستوجب المادة الخامسة.

السيناريو الثالث: تشديد الردع الأوروبي

قد تقود هذه الحوادث إلى زيادة الدوريات الجوية، وتعزيز أنظمة الدفاع الجوي، وتوسيع مراقبة بحر البلطيق، وتشديد حماية الكابلات وخطوط الطاقة والاتصالات، إضافة إلى إجراءات جديدة ضد عمليات التخريب والهجمات السيبرانية.

وهذا الاتجاه بدأ بالفعل يظهر في النقاش الأوروبي. المفوضية الأوروبية أعلنت الحاجة إلى آلية أوروبية منسقة للتعامل مع التهديدات الهجينة، بينما يستعد وزراء الدفاع ورؤساء أركان الناتو لاجتماعات في كوبنهاغن تركز على تعزيز الردع والدفاع ودعم أوكرانيا.

العامل البولندي: الحلقة الأكثر حساسية

قد يكون التطور الأخطر في الأيام المقبلة هو انتقال التركيز من البلطيق إلى الجبهة البولندية.

فبولندا تقع على خط التماس الأكثر حساسية بين الحرب الأوكرانية ومنظومة الناتو، وقد حذر رئيس الوزراء دونالد توسك اليوم (18 شتنبر) من احتمال تعرض دول الناتو الداعمة لأوكرانيا لهجمات هجينة باستخدام مسيّرات أو صواريخ. وقال إن المعلومات المتاحة لدى بولندا والناتو والولايات المتحدة وأوكرانيا تشير إلى مخاطر مرتبطة بالهجمات على المعابر الحدودية والبنية اللوجستية.

وفي حال تكررت حوادث بالقرب من الحدود البولندية، فإن هامش الخطأ سيكون أضيق بكثير، لأن أي إصابة داخل الأراضي البولندية أو سقوط ضحايا يمكن أن يحول الحوادث من قضية احتواء أمني إلى أزمة سياسية داخل الناتو.

المسافة تصبح أقل وضوحاً من السابق

المشهد الأوروبي الروسي دخل مرحلة أكثر تعقيداً، ليس لأن موسكو والناتو يخوضان مواجهة مباشرة، وإنما لأن المسافة الجغرافية بين الحرب الأوكرانية والبنية الأمنية الأوروبية أصبحت أقل وضوحاً من السابق.

حادثة المروحية الدنماركية تكشف حساسية بحر البلطيق، وإسقاط المسيّرة فوق ليتوانيا يوضح أن المجال الجوي للناتو أصبح جزءاً من حسابات الحرب، بينما يبرز هجوم القطار قرب الحدود البولندية خطورة اقتراب العمليات الروسية من خطوط الحركة التي تستخدمها الوفود الأوروبية.

أما تصريحات ماريا زاخاروفا فتضيف بعداً سياسياً إلى المشهد، لأنها تنقل رسالة موسكو من التحذير العسكري إلى محاولة التأثير في قرار السياسيين الغربيين بشأن زيارة أوكرانيا.

وفي المقابل، لا تشير المعطيات الحالية إلى أن الناتو يتجه إلى مواجهة عسكرية مباشرة مع روسيا؛ بل تشير الاستجابة الأوروبية إلى مسار يقوم على رفع الجاهزية، تعزيز الدفاعات، حماية البنية التحتية، وتوسيع أدوات الردع.

لكن الخطر الذي لا ينبغي التقليل منه هو سوء التقدير: مسيّرة تنحرف عن مسارها، أو مقاتلة تسقط جسماً جوياً مجهولاً، أو سفينة تقترب أكثر مما ينبغي، أو ضربة تصيب موقعاً قرب حدود الناتو، قد تنتج أزمة أكبر بكثير من نية الأطراف الأصلية.

ولهذا فإن الاختبار الحقيقي خلال المرحلة المقبلة لن يكون فقط في قدرة روسيا أو الناتو على إظهار القوة، وإنما في قدرتهما على إدارة الاحتكاك ومنع حادث محدود من التحول إلى مواجهة أوسع.

مصطفى الكردي
مصطفى الكردي
محرر شؤون سياسية واقتصادية - مدير مكتب مجلة الدبلوماسية المغربية بالقاهرة
spot_imgspot_imgspot_imgspot_img