في الدقائق الأولى، يتحدث وهبي بثقة عن أن حزبه كان يتوقع النتيجة، وأن العمل عليها بدأ منذ سنوات. هذه إجابة سياسية طبيعية من قيادة حزب تصدر النتائج. لكن الأهم يأتي بعد ذلك عندما ينتقل إلى وصف المجتمع الذي يريد الحزب أن يخاطبه: شباب يريد الحداثة، ومجتمع يتمسك بالأصالة والملكية والتاريخ والتقاليد.
وهبي لا يقدم هنا برنامجاً انتخابياً بقدر ما يقدم تعريفاً للمساحة السياسية التي يريد للأصالة والمعاصرة أن يتحرك داخلها.
وهذه نقطة تستحق الانتباه، لأن الحزب الذي تصدر انتخابات 23 شتنبر لم يحصل على أغلبية منفردة؛ 97 مقعداً من أصل 395 تعني أن تشكيل الحكومة سيكون بالضرورة عملية تفاوض بين قوى متعددة. لذلك تصبح عبارة وهبي عن البحث عن “نقاط الالتقاء” مع الأحزاب أكثر من مجرد مجاملة تلفزيونية. هو يعلن صراحة أن حزبه مستعد للحوار مع القوى التي تحترم الدستور والثوابت التي تحدث عنها، وأن المعارضة يجب أن تحتفظ بمكانها.
هذا الجزء من حديثه يفتح الباب أمام قراءة مختلفة للتحالفات المقبلة: وهبي لا يرسم حكومة على أساس تطابق إيديولوجي، وإنما على أساس برنامج قابل للتفاوض.
لكن الاختبار الحقيقي يأتي عندما يصل الحوار إلى العدالة والتنمية.
فالحزب الذي حصل على 13 مقعداً فقط في انتخابات 2021 عاد هذه المرة بـ54 مقعداً وفق النتائج الأولية الرسمية، ليصبح رابع قوة برلمانية.
وهبي لم يتعامل مع هذه العودة بوصفها عودة لخصم يجب عزله. قال إن المغرب يضم محافظين وحداثيين، وإن حزبه يستطيع الحوار مع العدالة والتنمية، ولا يرى “خطوطاً حمراء” ما دام هناك توافق حول النظام السياسي والديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان.
هذه ليست بالضرورة إشارة إلى تحالف مقبل، ولا توجد في المقابلة معطيات تسمح بهذا الاستنتاج. لكنها تكشف شيئاً آخر: لغة ما بعد الانتخابات عند أحد أبرز وجوه الحزب المتصدر أقل استقطاباً من اللغة التي كثيراً ما تفرضها الحملات الانتخابية نفسها.
والأهم أن وهبي نفسه يربط ذلك بطبيعة المجتمع المغربي، لا بالعدالة والتنمية وحده.
“الطبقة الوسطى ضغطت”
الجملة التي تستحق التوقف عندها في المقابلة ربما ليست المتعلقة بالعدالة والتنمية، وإنما حديث وهبي عن الطبقة الوسطى.
هو يقول إن الطبقة الوسطى “ضغطت بقوة”، ويربط ذلك بالأسعار، والبترول، والتعليم، والصحة، والتغطية الاجتماعية، وتحسين مستوى العيش. هذه قراءة سياسية من الوزير والحزبي، وليست نتيجة بحث انتخابي مستقلاً، ولذلك ينبغي التعامل معها باعتبارها تفسيراً يقدمه وهبي للنتيجة، لا حقيقة إحصائية محسومة.
لكنها قراءة لها ما يجعلها قابلة للنقاش.
فالانتخابات انتهت بفوز حزب الأصالة والمعاصرة، وبعودة قوية للعدالة والتنمية، وتراجع في نسبة المشاركة مقارنة بـ2021. وفي الوقت نفسه، تظهر في النقاش الانتخابي قضايا الوظيفة، والأسعار، والصحة والتعليم والسكن والخدمات باعتبارها ملفات مركزية. تقارير مستقلة عن انتخابات 2026 ربطت اهتمام الناخبين أيضاً بالعمل والأجور وعدم المساواة والسكن والتعليم والصحة، مع استمرار ضعف المشاركة.
لكن اختزال كل ذلك في “غضب الطبقة الوسطى” يحتاج إلى الحذر.
لأن 38.08% من المشاركة تعني أن هناك كتلة كبيرة من المواطنين لم تدخل أصلاً في عملية الاختيار الانتخابي. ولذلك فإن الحديث عن “صوت الناخب” يجب أن يبقى محدداً: نحن نتحدث عن الذين شاركوا، لا عن المجتمع المغربي كله.
وهذه ربما إحدى أهم النقاط التي لم يأخذ الحوار وقتاً كافياً معها.
هل تعكس النتائج تغييراً في اختيارات الناخبين، أم تعكس أيضاً تغيراً في حجم المشاركة السياسية نفسها؟
الرقم الرسمي واضح: المشاركة هبطت من 50.86% في 2021 إلى 38.08% في 2026. أما تفسير هذا الانخفاض، فلا يكفي فيه القول إن “العزوف موجود في العالم كله”، كما قال وهبي.
لأن السؤال المغربي له خصوصيته: ماذا يعني أن تتغير خريطة البرلمان في الوقت الذي تنكمش فيه قاعدة المشاركين في التصويت؟
عودة العدالة والتنمية ليست تفصيلاً انتخابياً
النتيجة التي حصل عليها العدالة والتنمية تحتاج أيضاً إلى قراءة هادئة.
13 مقعداً في 2021 مقابل 54 في 2026.
لا توجد في هذه الأرقام وحدها أدلة تسمح بالقول إن المغاربة “عادوا” جماعياً إلى خيار العدالة والتنمية، ولا أن الطبقة الوسطى هي التي أعادته، ولا أن النتيجة تمثل رفضاً لحكومة سابقة. كل هذه تفسيرات تحتاج إلى بيانات انتخابية واجتماعية أكثر تفصيلاً.
لكن الرقم نفسه مهم.
الحزب الذي خرج من انتخابات 2021 في وضع برلماني شديد الضعف عاد إلى موقع يسمح له بالتفاوض والتأثير داخل مجلس النواب. وهذا يجعل تصريح وهبي عن عدم وجود خطوط حمراء تجاهه أكثر دلالة، خصوصاً أن حزبه نفسه تصدر الانتخابات.
هنا ينبغي ألا نخلط بين إمكان الحوار السياسي ووجود تحالف سياسي فعلي. الأول صرّح به وهبي. الثاني لم يحدث بعد، ولا ينبغي أن نستخرجه من مقابلة تلفزيونية.
وحين وصل الحوار إلى رئاسة الحكومة…
كان وهبي أكثر تحفظاً.
الدستور المغربي، في الفصل 47، ينص على أن الملك يعين رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها.
وبما أن الأصالة والمعاصرة تصدر النتائج الأولية بـ97 مقعداً، فإن النقاش حول اسم رئيس الحكومة أصبح مرتبطاً بالحزب المتصدر وبالقرار الملكي في الإطار الدستوري.
وهبي رفض في المقابلة أن يقدم اسماً أو مؤشراً حاسماً، واكتفى بالقول إن هناك أسماء متداولة، وإن الاختيار يرتبط بتصور المستقبل وبطبيعة المرحلة.
هذه الإجابة مهمة تحديداً لأنها تضع حداً لمحاولة تحويل المقابلة إلى إعلان مبكر عن رئيس الحكومة المقبل.
توجد بالفعل أسماء متداولة في الإعلام، لكن التداول الإعلامي لا يساوي قراراً دستورياً. لذلك فإن التعامل مع أسماء مثل فوزي لقجع أو فاطمة الزهراء المنصوري باعتبار أحدهما رئيس الحكومة المقبل سيكون سابقاً لأوانه.
ملف العدالة أهم من منصب الوزير
في الجزء الأخير من الحوار، يعود وهبي إلى المجال الذي يفترض أن يكون أكثر التصاقاً بمسؤوليته الحكومية: العدالة.
يتحدث عن الرقمنة، والخدمات عن بعد، وتغيير القوانين، ووضعية المرأة، والمطلقة، والمناصفة، ومدونة الأسرة، وتعزيز مكانة العدالة.
هنا تتغير طبيعة المقابلة.
فوهبي لا يتحدث فقط عن مرحلة انتخابية انتهت، وإنما عن أجندة تشريعية وقضائية يريد أن يحملها إلى المرحلة المقبلة.
وقد سبق له في يوليوز 2026 أن دافع أمام البرلمان عن توسيع صلاحيات قاضي التنفيذ، وربط فعالية العدالة بقدرة الأحكام القضائية على الوصول إلى التنفيذ الفعلي، بما في ذلك القضايا الاجتماعية.
وهذا يجعل حديثه التلفزيوني عن “إعطاء العدالة مكانة أوسع” بحاجة إلى أن يُقرأ من خلال الملفات العملية، لا الشعارات.
السؤال الصحافي هنا ليس: هل يريد وهبي إصلاح العدالة؟
فهو يقول إنه يريد ذلك.
السؤال الأدق هو: أي عدالة؟ وبأي قوانين؟ وبأي آجال؟ وبأي ضمانات؟ وكيف ستصل الرقمنة إلى المواطن الذي لا يزال يبحث عن تنفيذ حكم أو خدمة قضائية بسيطة؟
هذه هي المنطقة التي ينبغي أن تبدأ فيها المتابعة الصحافية بعد الانتخابات.
قراءة ثالثة: لا المعارضة وحدها تراقب الحكومة
إذا أردنا أن نقرأ لقاء الغد من موقع “طرف ثالث وطني صحافي”، فالمسألة لا ينبغي أن تنتهي عند سؤال: من ربح ومن خسر؟
الأرقام أعطت الأصالة والمعاصرة المرتبة الأولى، وأعادت العدالة والتنمية بقوة إلى البرلمان، وأبقت التجمع الوطني للأحرار والاستقلال في مواقع متقدمة، بينما انخفضت المشاركة بشكل واضح.
وهذه الوقائع الثلاثة يجب أن تبقى معاً.
لا يجوز أن نأخذ صعود حزب ونترك نسبة المشاركة. ولا أن نأخذ عودة العدالة والتنمية ونحولها إلى حكم على المجتمع كله. ولا أن نحول حديث وهبي عن الطبقة الوسطى إلى نتيجة انتخابية نهائية من دون دراسات تفصيلية.
ما قاله وزير العدل عن الطبقة الوسطى، والأسعار، والصحة والتعليم، يمكن أن يكون مدخلاً مهماً للمرحلة المقبلة، لكن قيمته الحقيقية ستظهر في السياسة العمومية التي ستأتي بعد تشكيل الحكومة.
وهنا تصبح وظيفة الصحافة مختلفة قليلاً عن وظيفة الأحزاب.
الحزب يستطيع أن يقول: نحن فهمنا الرسالة.
أما الصحافة فعليها أن تظل تسأل: أي رسالة تحديداً؟ ومن قالها؟ كم من الناخبين قالوها؟ وما الذي يمكن إثباته منها؟
والانتخابات انتهت، لكن الاختبار السياسي الفعلي لم يبدأ إلا الآن: كيف ستُترجم 97 مقعداً إلى أغلبية حكومية؟ كيف ستتعامل القوى الفائزة مع عودة العدالة والتنمية؟ ماذا ستفعل الحكومة المقبلة مع الطبقة الوسطى والأسعار والخدمات؟ وهل ستتحول وعود إصلاح العدالة، التي تحدث عنها وهبي في المقابلة، إلى نصوص وتشريعات وخدمات قابلة للقياس؟
هذه الأسئلة ليست معارضة للحكومة المقبلة، وليست دفاعاً عنها.
إنها ببساطة المسافة التي يحتاجها الصحافي المغربي حتى لا يتحول، بعد إعلان النتائج، من مراقب للانتخابات إلى جزء من لعبة التأويلات السياسية.