ذات صلة

أحدث المقالات

محمد الشيخ بيد الله في التداولات: ماذا نعرف فعلاً عن سيناريو رئاسة الحكومة؟

منذ أن أعلنت وزارة الداخلية النتائج النهائية للانتخابات التشريعية...

الاتحاد الاشتراكي الذي يعرفه محمد الداودي.. حين يصطدم تاريخ الحزب بواقع الانتخابات

هناك نصوص انتخابية تنتهي بانتهاء الحملة، وهناك نصوص تفتح...

محمد الشيخ بيد الله في التداولات: ماذا نعرف فعلاً عن سيناريو رئاسة الحكومة؟

منذ أن أعلنت وزارة الداخلية النتائج النهائية للانتخابات التشريعية لـ23 شتنبر، لم يعد السؤال السياسي المغربي محصوراً في من تصدر الانتخابات. حزب الأصالة والمعاصرة جاء أولاً بـ97 مقعداً، متقدماً على التجمع الوطني للأحرار بـ66 مقعداً والاستقلال بـ65 والعدالة والتنمية بـ54، وأصبحت المرحلة التالية مرتبطة بتشكيل الحكومة وتحديد الشخصية التي ستقودها.

في هذه اللحظة بالذات، بدأت منصات التواصل وبعض المواقع الإخبارية والصحافيين والمثقفين يتداولون أسماء متعددة. اسم محمد الشيخ بيد الله عاد إلى الواجهة، إلى جانب أسماء أخرى، وذهبت بعض الكتابات إلى الحديث عن إمكانية تعيينه لرئاسة الحكومة. لكن الفرق كبير بين اسم يدخل التداول واسم دخل فعلاً دائرة القرار.

هذا الفرق هو الذي ينبغي أن تبدأ منه القراءة.

المادة التي نشرها الدكتور عبد القادر الحافظ بريهما تحت عنوان «بيد الله.. من الرواية الأخرى إلى رئاسة الحكومة؟» تنطلق من هذا التداول وتقدم بيد الله باعتباره شخصية تجمع بين تجربة حكومية وبرلمانية وحزبية وإدارية، وتربط احتمال عودته إلى الواجهة بطبيعة المرحلة المقبلة. وهي، في جوهرها، قراءة سياسية وليست إعلاناً عن قرار صدر.

أما ما يمكن تثبيته خارج التداول، فهو أن محمد الشيخ بيد الله ليس اسماً طارئاً على مؤسسات الدولة أو على حزب الأصالة والمعاصرة. فقد تولى وزارة الصحة بين 2002 و2007، وانتُخب أميناً عاماً للحزب سنة 2009، ثم ترأس مجلس المستشارين. كما أن البوابة الرسمية لحزب الأصالة والمعاصرة توثق توليه قيادة الحزب بين 2009 و2012، وتصفه ضمن القيادات التاريخية المؤسسة لتجربة «البام».

وتوجد في مساره محطة مختلفة عن مجرد العمل الحزبي. فقد سبق أن شغل مسؤوليات إدارية ترابية، ثم انتقل إلى الحكومة والبرلمان وقيادة الحزب. كما ارتبط اسمه بملف الصحراء من خلال مشاركته، خلال التسعينيات، في عملية تحديد الهوية التي جرت تحت إشراف الأمم المتحدة؛ وهي تجربة موثقة في السيرة المنشورة على الموقع الرسمي لحزب الأصالة والمعاصرة.

هذه الوقائع تفسر لماذا يبدو اسمه قابلاً للتداول في لحظة تبحث فيها الأحزاب عن ملامح المرحلة المقبلة. لكنها لا تكفي وحدها لإثبات أنه مطروح فعلياً أمام المؤسسة التي ستتخذ القرار.

الدستور نفسه يضع إطاراً واضحاً لهذه المسألة. الفصل 47 ينص على أن الملك يعين رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها. معنى ذلك أن الانتخابات حسمت جزءاً من المعادلة: الحزب المتصدر هو الأصالة والمعاصرة. لكنها لم تحسم، في حد ذاتها، اسم الشخصية التي ستقود الحكومة.

وهذه نقطة مهمة لأن بعض التداولات تختصر المسألة في عبارة «التعيين الملكي»، وكأن الأمر يتعلق باختيار منفصل عن النتيجة الانتخابية. النص الدستوري أدق من ذلك: هناك تعيين ملكي، لكن داخل قيد دستوري واضح يتعلق بالحزب المتصدر ونتائج الانتخابات.

حتى البوابة الرسمية الخاصة بالانتخابات التشريعية لسنة 2026 ما زالت تضع «تعيين رئيس الحكومة» ضمن المرحلة القادمة من المسار، بعد المصادقة على النتائج، وهو ما يعني أن اسم رئيس الحكومة لم يكن قد أُعلن رسمياً في المصدر الحكومي الذي يشرح المسار الانتخابي.

من هذه الزاوية، يصبح السؤال عن بيد الله مختلفاً.

ليس السؤال الصحافي الدقيق: هل محمد الشيخ بيد الله هو رئيس الحكومة المقبل؟

السؤال الأدق: لماذا عاد اسمه تحديداً إلى التداول بعد أن تصدر «البام» الانتخابات، وما الذي يجعل هذا الاسم قابلاً للنقاش أكثر من غيره، وما الذي لا نملك بشأنه أي دليل حتى الآن؟

الإجابة الأولى موجودة في سيرته نفسها.

الرجل يجمع بين مواقع لا تجتمع دائماً في المسار السياسي الواحد: إدارة ترابية، وزارة، قيادة حزبية، ورئاسة الغرفة الثانية للبرلمان. وحين يصبح النقاش متعلقاً بحكومة ستحتاج إلى بناء أغلبية برلمانية والتعامل مع أحزاب متفاوتة في مواقعها السياسية، فإن هذا النوع من التجربة يصبح، من الناحية الوصفية، أحد العناصر التي يمكن أن تدخل في تقييم أي شخصية مطروحة.

لكن التجربة السابقة لا تعني تلقائياً أن صاحبها هو الاختيار المقبل.

بل إن داخل حزب الأصالة والمعاصرة نفسه توجد اليوم معادلة أخرى. الحزب الذي كان يقوده بيد الله في بداياته تغير كثيراً منذ ذلك الوقت. تعاقبت عليه قيادات متعددة، وتحدث الحزب نفسه في 2026 عن مساره من التأسيس إلى تجديد النخب وتمكين الشباب.

وهذا يفتح زاوية لا تظهر كثيراً في التداول الحالي: هل تبحث المرحلة المقبلة عن الاستمرارية والخبرة المتراكمة، أم عن تجديد الواجهة التنفيذية؟ وهل هذان الخياران متعارضان أصلاً؟

لا توجد معطيات منشورة تسمح بالإجابة عن ذلك نيابة عن أصحاب القرار. لكن وجود هذا السؤال مهم لأنه يمنع اختزال النقاش في السيرة الشخصية لبيد الله وحدها.

هناك أيضاً عامل الصحراء المغربية، وقد استُخدم بكثرة في المقالات والمنشورات التي أعادت اسمه إلى الواجهة. بيد الله من السمارة، وله مسار سياسي وإداري طويل ارتبط بالأقاليم الجنوبية، كما أن تجربته في ملف تحديد الهوية خلال التسعينيات موثقة.

هذه الخلفية تمنحه، وصفياً، صلة مباشرة بتاريخ أحد أكثر الملفات حضوراً في السياسة المغربية. لكنها لا ينبغي أن تتحول في الكتابة الصحافية إلى معادلة آلية من نوع: «صحراوي + متصدر انتخابي = رئيس حكومة». لا يوجد في الدستور مثل هذا المعيار، ولا يوجد في المعطيات المنشورة ما يثبت أن الانتماء الجغرافي كان سبباً في طرح اسمه.

ثم إن ربط أي تعيين مستقبلي بملف الصحراء يحتاج إلى دليل على أن هذا الاعتبار دخل فعلاً في المشاورات. أما الآن، فالمتاح هو أن بعض الكتابات والتحليلات تربط بين الأمرين، لا أن هناك قراراً أو تصريحاً رسمياً يقول ذلك.

وتزداد الحاجة إلى هذه المسافة الصحافية لأن التداول الحالي لا يقتصر على بيد الله. أسماء أخرى تظهر في المقالات والمنصات، وبعضها يذهب بعيداً في الحديث عن «الكواليس»، بينما لا تقدم هذه الكتابات، في معظم الحالات، دليلاً يمكن التعامل معه باعتباره معطى رسمياً. وحتى التقارير التي تناولت بيد الله باعتباره اسماً متداولاً تقر بعدم وجود إعلان رسمي يحسم موقعه في المشاورات.

مجموعة السوسي للإعلام لا تتعامل مع هذا النوع من التداول باعتباره خبراً جاهزاً لمجرد أن عدة صفحات أعادت نشره. كثرة التكرار لا تحول الاحتمال إلى معلومة، وانتقال اسم من منصة إلى أخرى لا يعني بالضرورة أن مصدره واحد مستقل أو أن وراءه معلومة من داخل دوائر القرار.

هذا بالضبط هو الفارق بين متابعة ما يتداول وقراءة ما يمكن إثباته.

محمد الشيخ بيد الله اسم له تاريخ سياسي ومؤسساتي حقيقي، وليس اسماً اخترعته منصات التواصل بعد انتخابات 23 شتنبر. لكن القول إنه سيكون رئيس الحكومة يحتاج إلى واقعة أخرى غير سيرته: يحتاج إلى تعيين رسمي أو إلى معطيات موثوقة تثبت أنه أصبح بالفعل الاسم الذي اختير داخل المسار الدستوري الجاري.

وحتى ذلك الحين، تبقى أمام القارئ صورة أكثر تعقيداً من العناوين المتداولة. هناك حزب تصدر الانتخابات بـ97 مقعداً، وهناك دستور يحدد الطريق الذي يمر منه تعيين رئيس الحكومة، وهناك حزب يعيش مرحلة انتقال وتجديد داخلي، وهناك شخص سياسي راكم تجربة طويلة وأصبح اسمه متداولاً بقوة بعد ظهور نتائج الانتخابات. وما بين هذه العناصر توجد مساحة واسعة لا تزال المعلومات المنشورة عاجزة عن ملئها.

لذلك لا تحتاج قصة محمد الشيخ بيد الله إلى إعلان مبكر عن «رئيس الحكومة المقبل» حتى تكون جديرة بالمتابعة. يكفي في هذه المرحلة أن نسأل بدقة: هل نحن أمام اسم يعاد اكتشافه في لحظة سياسية جديدة، أم أمام اسم بدأ فعلاً يدخل الحسابات التي ستحدد شكل الحكومة المقبلة؟

الجواب لن تصنعه كثرة المنشورات. ستصنعه الوقائع التي ستظهر تباعاً.

spot_imgspot_imgspot_imgspot_img